[نهر"الأمية العذب"(2)]


  عزالدين كزابر
    

[نهر
 

نهر "الأُمِّية" العذب (2)

صناعة العلم بين الظنون والحقائق، بين الذاتانية والموضوعانية، بين الإخفاقات والنجاحات:

ظهر في الستينات من القرن العشرين كتابٌ هام أثار ضجة في قطاع عريض من النخب العلمية ودفعهم لمراجعة نظرتهم وتقييمهم للمعرفة العلمية السائدة، وكان ذلك هو كتاب "بنية الثورات العلمية" لمؤلفه "توماس كيون"[1]. ولم يكن هناك في الحقيقة مادة جديدة يقدمها المؤلف لم تكن معروفة من قبل، غير أن الجديد في الكتاب أنه أعاد معالجة تاريخ العلم بطريقة استحسنها المؤلف عما هو مألوف من معالجات سابقة ورائجة، ولمّا فعل ذلك أماط المؤلف في كتابه اللثام عن أن صورة العلم والمعرفة العلمية التقليدية زائفة: وبشيء من التفصيل يقول المؤلف: أن دعاوى موضوعانية المعرفة العلمية تفتقر إلى أدلة موثوقة، وأنها ليست - كما قيل لطلاب العلم في القرن العشرين- معرفة موضوعية حقيقيةً[2]. والواقع أن هناك من فلاسفة العلم من صرح قبل توماس كيون بأن النظريات العلمية تقوم مقام التفسير التوظيفي للخبرة العلمية أكثر من قيامها بالكشف عن الحقائق الموضوعية في الظواهر التي يعبر العلم عنها. ولكن الحاصل أن استجابة الأكاديميين على مستوى العالم اتَّسمت بالمفاجأة لكتاب كيون، وكأن هذا الحال لم يكن معروفاً لديهم. وتسبّب عن ذلك أن أشاع كتاب "كيون" ما كان متجَاهلاً من قبل، ووضع التفسيرات العقلانية والوضعية الإمبريقية العلمية موضع التساؤل والتشكك والاتهام، وتعاظمت الشكوك والجلبة في الأوساط العلمية في السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين، وعلت الأصوات من عدد من علماء الاجتماعيات والإنسانيات تتهكم على الفيزياء العملاقة وتاريخها المُحْتَفى به، وتقول: ها هم أصحاب العلوم الرصينة يعترفون بأن علومهم ليست بأحسن حالاً منَّا!

والجدير بالملاحظة أن الخبير بتاريخ الفيزياء يعلم أن كثيراً من أصحاب التنظير في فلسفة العلم من أمثال: فورييه، و يوال، و كومت، و ماخ، وبوانكارييه، و بريدجمان، ومؤسسي النظرية الكمومية في عشرينات وثلاثينيات القرن العشرين، أمثال بور وهايزنبرج وديراك، وخاصة مدرسة كوبنهاجن في تفسير ميكانيكا الكم، قد صرّحوا مراراً وتكراراً في كتبهم بأن النظريات الفيزيائية هي نصوص مقننة تتكلم عن خبرة العلماء عن الواقع الذي يدرسونه، وليست نظريات تتكلم عن الوقائع ذاتها وأحكامها (سننها) على ما هي عليه، بمعنى أنها نظريات أقرب إلى رسم صورة عن فكر العلماء أنفسهم، أي ذاتانية subjective الفكر العلمي، أكثر مما ترسم صورة عن موضوعانية objective الدراسة، ومن ثم لا يستطيع أحد أن يدعي أي مطابقة تامة بينها مع الواقع. وإن كان قلة من الخبراء هم الذين يعلمون ذلك، فإن الغالبية الساحقة من العلماء، ناهيك عن المثقفين ومستخدمي العلم، كانوا على خداع إيماني – مثل إيمانهم بمعتقداتهم الدينية - بأن هذه النظريات حقيقية وأنها مطابقة للحقائق الطبيعية.

ومن نتائج هذه الرجفة العلمية التي سببها كتاب "بنية الثورات العلمية" أن اهتز عرش "الوضعية الإمبريقية" empirical positivism ,و"الوضعية المنطقية" logical positivism اعتباراً من ستينيات القرن العشرين، وبدأت تتداعى باعتبارها مثالية مُبَالغٌ فيها، ودعاوى زائفة عن الحقيقة العلمية، ظن أصحابُها – حلقة فيينا وأتباعهم – أنها الحقيقة وما عداها باطل، ونسُوا أن دعاواهم ظنون، وأن حقهم الذي يدّعون يختلف عن حقِّ يدّعيه غيرهم من غير مذهبهم، بل إن من المسلمين من تبنى هذه الفكر المدرسي وراح يحاكم به كل شيء حتى اشتبه كلامه فمسّ الدين نفسه، فوسم الميتافيزيقا بالتخريف في أشد الأوصاف تجريحا، ثم كان ما كان، وعلم أنه كان على خطأ، فلطَّف من هجوه وقال: بل هو موقفٌ[3]. ثم راح يعيد بناء فكره على أصول إسلامية بعد أن ندم بلسان الحال، كما ندم بلسان المقال، وقال[4]: "كنت لفترة طويلة واحداً من أولئك الذين ضلُّوا سبيل الحق في هذا الصدد (يقصد اتباع المنهج الغربي القذة بالقذة)، فبالغت كما بالغوا، حتى أراد لي الله رؤية أهدى."، والحقيقة أن حاله حال من كان لا يعلم، فلما علم أن علم الإنسان لا يستبدل بعلم الله للإنسان، عاد إليه، عاد – في حساب المعاني – أمّياً، يتلقى من الدين أبجديات الفهم والفكر من جديد، وهي الأمية التي ليست بالضرورة أبجديات اللغة وحساب الأعداد، كما يفهمها المُعْجَميّون، وما شاع بعدهم، وإنما الفكر المحمول على هذه الأبجديات وتلك الأعداد.

ولا يبعد كثيراً موقف زكي نجيب محمود من موقف أبي المعالي الجويني (إمام الحرمين) – على ما بينهما من 10 قرون كاملة – وذلك حين قال بعدما خاض مرارة التجربة[5]: " لقد خضت البحر الخضم وخليت أهل الإسلام وعلومهم ودخلت فيما نهوني عنه. والآن : إن لم يتداركني ربي برحمته فالويل لابن الجويني. وها أنا ذا أموت على عقيدة أمي - أو قال - : عقيدة عجائز نيسابور "!!! .... وهل عقيدة أمِّه أو عقيدة عجائز نيسابور شيء آخر غير (الأمِّية) وما فيها من البراءة الأصلية؟! .... وقد أشرنا إلى مدح القرضاوي لإمام الحرمين ابن الجويني، فإن كان هذا هو حال الممدوح، فما بالنا بمن وراءه ممن خاضوا هذه التجارب الفكرية الأليمة ولم ينتبهوا لما وقعوا فيه من شباك الفكر[6]؟!

دراسات موازية لدراسة توماس كيون الناقضة لادعاءات الموضوعية والصرامة العلمية:

لم يكن كتاب "بنية الثورات العلمية" العمل الوحيد الذي انتقد زهو العلماء بمناهجهم التي لا تخطئ، فالظاهرة أوضح من أن ينتبه لها باحث منفرد، ورغم أن حصر الأعمال التي جاءت في هذا الشأن أمرٌ عسير، ألا أن الثورة المعلوماتية قد بدأت تفضح أصحاب الدعاوى الزائفة، و رُويداً رُويداً تتكشف الحقائق، وأصبح الآن كثيرٌ من العلماء المعنيين بهذا الشأن المنهجي والفلسفي في الفكر العلمي، يعلمون بكتاب لودفيج فليك Ludwik Fleck، وهو طبيب بولندي الأصل، وجاء كتابه بعنوان "نشأة وتطور الحقائق العلمية" The Genesis and Development of a Scientific Fact[7] في ترجمته الإنجليزية، وقد احتوى على تحليلات، تلتقي في كثيراً من نتائجها مع تحليلات توماس كيون، وقد صدر كتابه مبكراً جداً عن كتاب كيون، سنة 1935.

وإذا اعتبرنا توماس كيون مثالاً أول في نقض الموضوعية العلمية المزعومة، ولودفيج فليك مثالاً ثان، فيمكننا أن نجد أمثلة أخرى عديدة – سنستعرض بعضها الآن- بما يجعل من مسألة الموضوعية مسألة جدلية على نحوٍ مثير!

مثال ثالث، مايكل بولاني Michael Polanyi (1891-1976): وهو مجري الجنسية، وفي عدد من أعماله، ومنها كتاب "شخصانية المعرفة" personal knowledge (1958)، سلَّط بولاني الضوء على أن العالِم الباحث شخصٌ حي، وإنسان ذو وعي، ونفس منفعلة، وليس ماكينة منطقية لا إنسانية، بل إن قيم الإنسان حاضرة بالضرورة في أعماله بما فيه العلمية منها، ويقع خلف عملية التعقل إنسان كامل الإنسانية. وصناعة العلم التي يقوم بها الإنسان ليست مجردة، بل هي مُشرَّبة بتصورات ضمنية عميقة، ولا يختلف العلم في ذلك عن أي حرفة أو فن يمارسه الإنسان، فكل من هذه النشاطات تتضمن معرفة ضمنية مكنونة في نفس القائم بها. وإن كان من الصعب استخلاص هذه المعرفة الضمنية في كل فن من ذلك وتدوينها وتوصيفها في كتاب تعليمي، إلا أن كل خبير صاحب فن ما، يعرف بحسّه الداخلي كيف يُفعّل هذه المعرفة الضمنية في إبداع عمله الفني. وهذا ما يبرر ربما أن هذه المهارات لا تُلقّن من الخبير إلى تلاميذه، ولا يستطيعوا اقتناصها إلا بكثير من المخالطة والاحتكاك في العمل، ويغلب عليهم أن يفقدوا منها الكثير الذي لا يستطيع صاحب الفن أن يصيغه كلاماً أو فعلاً، لأنه من نسيج نفسه الذي يستحيل أن يُنسَج مع نفس غيره. وانتقد بولاني بشدة - بناءاً على هذا الفهم - تلقين طلاب العلم أن العلم ليس إلا تطبيق مباشر لمنطق البحث العلمي على وقائع حقيقية، وكان مُبرَّرُه في ذلك أن ممارسة العلم فن أو حرفة، وليس برنامج عمل منطقي كتلك التي تُلقَّن بها الماكينات الحاسوبية. الأمر الذي يجعل من المقابلة بين مفهوم التعقل ومفهوم الحوسبة - كما كان يريد "هابز" و "لايبنتز" - مقابلة لا يتكافأ طرفيها، وهو الأمر الذي يضع قيوداً صارمة على مشاريع الذكاء الاصطناعي على خلاف ما يريد مؤيدوها من العلماء. ومن دواعي التعقل الذي يمارسه الباحث العلمي أن يأخذ قرارات بحثية ليست منطقية من حيث التصنيف، بل هي إلى الحدس أقرب. ويقترب هذا الفهم كثيراً من موقف هنري بوانكاريه من أن المنطق ليس وحده كافياً في إبداع الرياضيات وخاصة الرياضيات الفيزيائية، ومن دون حدس، لا يمكن للعالم أن يصل إلى أي شيء باستخدام المنطق وحده.

وكمثال رابع: جيروم رافيتس Jerome Ravetz (1930- )

يمثل جيروم رافيتس - ضمن آخرين – اتجاهاً مناهجياً بدت معالمه تتعاظم، يقول فيه[8]: "أن الفكر العلمي الغربي والمعرفة العلمية الغربية ليستا إلا مُواضَعة اجتماعية بين مجتمع العلماء، ويرتفع بنيانه طبقاً لأعراف تتعين بينهم صراحة أو ضمناً، وتتغير مع حصيلة الخبرة المكتسبة، وتتأسس من قِبَل هؤلاء العلماء، وليس من قبل وحي متعالي." (نرجو التأمل بعمق لهذا القول الأخير منه) وأصبح لذلك الاتجاه عنوانٌ رنانٌ في أدبيات المنهجيات ونظريات المعرفة، تم تداوله كثيراً في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، بل امتد أيضاً في التسعينيات، ومن غير فتور واضح مع بدايات القرن العشرين، وهو البنيوية الاجتماعية للمعرفة العلمية social construction of scientific knowledge.

والحاصل أن رافيتس قد نشر كتاباً عام 1971 بعنون "المعرفة العلمية ومشاكلها الاجتماعية" scientific knowledge and its social problems، وقد بدأ بفكرته التي تقول أن ممارسة العلم ليست إلا حرفة أو صناعة craft، ولا يخفى على القارئ أننا وكأننا نسمع صدىً من صوت بولاني الذي قابلناه لتوِّنا أعلى، والذي قال فيه أن ممارسة العلم فنٌ، وليس تطبيقاً ميكانيكياً للمنطق على بيانات محايدة، ولكن، من دون مهارات خاصة مثل مهارات الحرفي الخبير في صناعة أو حرفة ما، لا يمكن للباحث العلمي أن ينتج بحثاً علمياً، هذا إضافةً إلى أنه أيضاً عمل ذا مذاق شخصي، وروح بحثية ضمنية تتشابك مع مهنة البحث، التي عنها تتولد المعرفة. وهنا نجد أن رافيتس يقول شيئاً شديد الشبه بذلك عندما يقول أن ممارسة العلم هو حرفة، ومثلها مثل أي حرفة، لا بد أن تتشكل معالمها تشكلاً اجتماعياً، وهذه هو بيت القصيد في كلامه. ومعناه مرة أخرى – أننا بقبولنا أن ممارسة العلم حرفة، فعلينا أن نقبل أن - أي عضو في مجتمع هذه المهنة عليه أن يستجيب لمتطلبات السياقات الاجتماعية التي في بحرها يؤدي عمله. ومن هذه السياقات: العملاء الذين يتداول معهم المنتج العلمي، والقيم الأدبية والأخلاقية التي تعم فئة المنخرطين بنفس المهنة/الحرفة، ونوع المنتج ومستوى الجودة والحرفية التي تواضع عليها أهل الصنعة ومتطلبات السوق الترويجي لهذه السلعة العلمية. ولكي نقول أن ممارسة العلم مهنة، فإننا نقول أنها تحتل ركناً اجتماعيا ذا معالم مميزة عن غيرها من الأركان، وأن هذه الممارسة لها محددات للقيمة مبثوثة في أدبيات المهنة. وهذا المحددات تشمل كلا الجانبين المعرفي والتقني – حسب مقولات رافيتس في كتابه. وعلينا أن نتذكر أن الشائع حتى ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، أن الوعاء التكنومعرفي لا محل فيه للقيم (التكنومعرفية زواج جامع لكلا المعرفتين التكنولوجية والمعرفة التنظيرية الإبستيمية، المتمايزتين أصلاً عن بعضهما)، وأن القيمة تتدخل فقط عندما نقرر كيف سنستخدم هذا المُنتَج التكنومعرفي. فالمعرفة النووية واستخراج طاقتها نظرية تكنومعرفية ولها شقّين في الاستخدام: إبادة الناس أو تأمين الطاقة والعلاج الجديد لهم! ويصبح السؤال: أي الشقين هو الذي سيستخدمه الإنسان؟ ليس جزءاً من العلم ذاته! وأنه محايد تجاه الاستخدام! هكذا كان الشائع حتى بداية السبعينيات! وكان مدعوماً بما يكفيه من قرائن تمتد زمناً طويلاً لعدة قرون من أيام بيكون، بحكم أن المعرفة العلمية محايدة؛ لأنها فقط تصف الواقع على ما هو عليه! ولكن، إذا كان العلم حرفة/مهنة – وهو الخط المحوري لكتاب رافيتز – فلا بد أنه محكوم بمنظومة قيم valuational تُنظمه وتُثمّن مُنتجه وتراجع أعضاءه بالمؤاخذة والاستبعاد مثلما تكافئهم على إبداعهم وخدمتهم المهنة ورسالتها. وإذا كانت حرفة صناعة الأسلحة محض حرفة محايدة، تستخدم منتجاتها في قتل الأشرار كما تستخدم في قتل الأبرياء، وأن الأسلحة لا تقتل الناس، وإنما الناس هم الذين يقتلون الناس، إلا أن الأسلحة قد صُنعت لتقتل، وصُممت لأداء هذا الغرض! بمعنى أن هناك قيمة متشابكة في بنيوية أي حرفة، تعمَّد مجتمع المهنة أن يشملها في صناعة الحرفة، لأن لها ببساطة غرض وظيفي. وهذا ما نلاحظه في ما نستخدمه من صناعات، فغرض الهاتف النقال على سبيل المثال يختلف عن غرض الهاتف الثابت، فانعكس هذا الاختلاف في المنتج نفسه، ويقول رافيتس أنه بنفس المنطق لا بد أن يختلف منتج المعرفة العلمية أيضاً لأنه منتج صناعي/حرفي. ولأن إنتاج المعرفة حرفة، فالعلماء أنفسهم هم الذين يُنتجون مسائلهم العلمية، بمعنى أن اختلاف الناس ينعكس في اختلافهم في رؤية مسائل الكون والحياة، ومعظم الناس لا يرون مشاكل إطلاقاً في مثل هذه المسائل، والتي تستثير - من ثم - فقط العلماء. وإذا ما هَيْكل العالِمُ مسألته التي انتبذته لحلها، يعود إليه بالكلية طرح الأسئلة التي يجب أو ينبغي أن يُجيب عنها، وليس ذلك فقط، بل إن الإجابة عن تلك الأسئلة، ومن ثم حل المسألة، يجب أن يتوافق ومعايير المهنة التي رسم المجتمع العلمي قِيَمِها، وجواز مرور المنتج الصالح منها من غيره. بمعنى أن المنتج العلمي له معايير جودة خاصة تختلف كما تختلف المهن الحِرَفيَّة الأخرى حسب المواضعة بين أعضاء المجتمع. وقد يتأخر قبول المنتج العلمي، ويضطر المجتمع العلمي إلى قبوله بعد حين، نتيجة ضغوط اعتبارية، أو تزكية علمية، أو دعم نظري أو تجريبي، يظهر بعد غياب!

ومثال لذلك، ما كان من تأخر قبول أعمال هاوارد تيمن Howard Temin (1934-1996) لمدة ست سنوات، والذي فيه قال بإمكانية أن يقوم جزئ رنا RNA بإعادة إنتاج نفسه باتصاله بجزئ دنا DNA، وهي العملية المسمَّاة بـ "النسخ الحيوي المنعكس" reverse transcriptase. ولنلاحظ أنه العمل الذي حصل على جائزة نوبل عليه عام 1975! (بالمشاركة مع كل من ريناتو دولبيكو Renato Dulbecco وديفيد بالتيمور David Baltimore) وتبين أن فيروس الإيدز ينتهج نفس التقنية التي يعيد بها إجراء عملية النسخ وهو ما سب إعادة تسميته بالفيروس الانعكاسي retrovirus .... فما معنى نبذ العمل العلمي ست سنوات ثم قبوله ثم رفعه على عنان السماء؟!

ومثال آخر، ما كان من التهكم الممتد لسنوات على "ستانلي بروسينر" Stanley Prusiner (1942- ) لفكرته عن البريونات prions (وهي مستحثَّات مُعدية تتركب أساساً من البروتينات، وتصيب الدماغ والجهاز العصبي، وجميعها مُميت، ولا يُعرف له علاج بعد. وتمثل فيه البريونات نقاط أو مواضع الالتهاب المفترضة)، وفجأة، وبعد أن أمكنه تفسير مرض جنون البقر mad cow disease بناءاً على فرضيته القائمة على البريونات، انقلب الحال وحصل على جائزة لاسكار[9] Lasker Foundation Award عام 1994 ثم جائزة نوبل عام 1997 عن ذلك، وناله من التقدير والتفخيم ما ناله، فسبحان مُغير أحوال العلم والعلماء.

ما معنى ذلك؟ ... معناه أن المجتمع العلمي هو الذي يقرر ما الذي يُعتبر حلاً علمياً وما لا يُعتبر! وهذا هو ما قصده رافيتس بأن المعرفة العلمية ذات هيكلية اجتماعية.

وكمثال خامس، نوروود هانسن Norwood Hanson (1925-1967)، وكان أستاذاً في جامعة ييل ومن المؤرخين للعلم، وصدر له كتاب بعنوان "أنماط الاكتشاف العلمي" Patterns of Discovery (1958) أراد فيه أن يقول ما موجزه: "أن الناس هي التي ترى وليست العيون" “people see, eyes do not see”. ولا بد أن نلمح مباشرة في هذه العبارة قول الحق سبحانه وتعالى "َإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ"(الحج:46)[10]. وأراد هانسن من مقولته تلك أن يقول أن الرؤية لا تستوي بين الناس، بل تعتمد على من نحن، وما نعتقد، وما هي توقعاتنا. وفي أيامنا هذه يؤيد علماء المعرفة العصبية cognitive neuroscientists بعدد من الأدلة أن الإدراك والفهم perception يتشكلان بعدد من العوامل مثل اللغة، والسياق الاجتماعي، وحدس الإنسان عما يتوقع أن تستقبله حواسه في مواقف بعينها. وقد وجّه هانسن فكرته تلك رداً على أصحاب الوضعية المنطقية logical positivists الذين قالوا أن: "مقولات النظريات يجب أن تنفصل عن مقولات الملاحظات التجريبية". لذا ينضم هانسن إلى المعارضين لذلك الادعاء بأن النظرية والملاحظة التجريبية مسألتان منفصلتان، وعلى النقيض من ذلك دعى هانسن إلى تأييد كلامه برفعه شعار يقول فيه أن: "الملاحظة دائما ما تكون مشحونة بالنظرية" “observation is always theory-laden”. وهو الشعار الذي أثار جدلاً بالغ الحدة، الأمر الذي حدا بأحد الباحثين في ثمانينيات القرن العشرين إلى التعبير عن خطورة هذا الشعار على مفاهيم الواقعية التي ينبغي تمثلها .

ويتوافق شعار هانسن السابق بشكل كامل مع دعوى "كيون" بأن النظرية والملاحظة متداخلتان إلى حدٍّ بعيد. والمقصود بـ "الملاحظة" في فلسفة العلوم بالطبع هي الملاحظة العلمية scientific observation، التي يقرأ فيها الباحث الظاهرة بعينه الداخلية، ويصيغها بعبارته الكلامية أو الرياضية. ومثال لذلك أنه إذا كان الشيء المُلاحَظ هو الشمس في حركتها في السماء، وكان يرقبها اثنان من الباحثين: فأحدهما قد يعبر عن هذه الظاهرة بأنها تعود لمركزية الأرض، والآخر قد يعبِّر عن نفس الظاهرة بأنه تعود لمركزية الشمس، فالظاهرة واحدة، لكن الملاحظتين العلميتين مختلفتان. فالناس هي التي ترى وليس العيون، وهذا هو شعار هانسن.

وهذا الشعار وصياغته وفكرة شحن الملاحظة بالنظرية ينعكس على مرادنا الذي نحن بصدده في هذه الدراسة، وهو أن التعليم المتمثل بالكتابة والحساب هو باب الخروج (وفقط باب الخروج) من الأمية الخالصة، لماذا؟ لأن الكتابة والحساب – وبمنطق فكري قريب – مشحونتان بالنظرية. بمعنى أن العلة في كون "الأمّي" هو من لا يعلم الكتابة والحساب – حسب ما استدل المعجميون والمفسرون والشارحون- ليس في المعرفة الآلية لحروف الكتابة وقواعدها، ولا في أبجديات الحساب وعملياته، وإنما في النظريات المحمولة على هذه الوسائط المعرفية، فحديث (السبعة أحرف) يقول فيه الرسول صلى الله عليه وسلم في أمثلة الأميين: "والرجل ... الذي لم يقرأ كتاباً قط"، وهذا يختلف عن "من لم يقرأ قط" وورود لفظ "الكتاب" في هذه العبارة يشير إلى محمول القراءة، وهو ما نقصد بأنّ القراءة هنا مشحونة بالنظرية. وعلى ذلك، فمن تعلم هذه الوسائط تعلماً يفرغها بمهارة من أي محمولات تنظيرية (رغم صعوبة ذلك)، فصاحبها ما زال في عداد الأميين (وعلى ذلك، فمن تعلم القراءة والكتابة والحساب ولم يوظفهم أبدأ، فهو - بهذا المعنى- أُمِّي)، وفقط إذا بدأ في تعلم نظريات محمولة على أي وسائط فهو في طريقه للخروج من الأمية، حتى وإن كانت هذه الوسائط غير الكتابة والحساب. لأن كل الوسائط ستستوي عندئذ في قابليتها للشحن بالنظريات: الكتابة والقراءة، والحساب، والخطب المسموعة، وأجهزة الإعلام وما تلقيه من برامج حوارية، ونشرات الأخبار وما تلقيه على أسماع الناس، والمحاضرات، والأفلام السينمائية والمسلسلات وأفلام الكارتون للأطفال حتى قبل تعلمهم القراءة، وألعاب الكومبيوتر ... إلخ. كل هذه الوسائط ليست هي المسئولة عن هتك الأمية إذا تجردت من محمولاته عليها، وإنما يهتكها ما حُمِّل عليها من مفاهيم ومقولات تقرأها النفس أحياناً قبل الحواس[11].

ونستكمل الأمثلة الموازية لتوماس كيون، فنأتي بمثال سادس، وهو بول فايرآبندPaul Feyerabend (1924-1994): وهو من فلاسفة العلم المعروفين، والذي أيَّد موقف "كيون"، غير أنه أخذ عليه أنه لم يذهب إلى ما ذهب إليه من نقد منهجيات العلم نقداً كافياً، ولم يكشف بالحقيقة الأشد إيلاماً وهي أن العلم المكتسب علم نسبي بكل المعايير! وأن الحقيقة العلمية مسألة نسبية لا شك في ذلك! ومن الشعارات التي كان يُنادي بها فايرآبند: "أن العقلانية ليست صاحبة الكلمة الأخيرة عن الحقيقة والمعرفة" rationality is not the last word in truth and knowledge، و"العقلانية ليست الوسيلة الوحيدة التي نحكم بها على مصداقية مقولات الحقيقة ومقولات المعرفة" rationality is not the only means by which we anchor truth claims and knowledge claims. ويؤمن "فايرآبند" بأننا ينبغي أن نفهم الحقيقة والمعرفة من منظور تاريخي، وأن ما نفهمه عن الحقيقة والمعرفة ليست حقائق واقعية عن العالم ولكنها قوالب مفاهيمية conceptual categories نُسقطها نحن في خضم مشروع عقلنة الخبرة making experience intelligible الذي نتبناه. وما دام أن هذا الإسقاطات تاريخية، فلا بد أن تكون نِسبَويّة. ولا يقصد "فايرآبند" هنا بأن "النسبوية" relativism تعني تكافؤ الأدلة بتعبيرات الفلسفة العربية، ولكنها في مراده تتضمن: "نسبوية تحليل مقولات الحقيقة ومقولات المعرفة في السياقات التي أجريت فيها"،

وإذا أردنا أن نفهم مراد فايرآبند، نقابله مع المنظور – المعياري – والذي يعتبر على نقيض من دعوى فايرآبند. يقول هذا المنظور: أن هناك حقيقة نهاية ultimate reality تمثل الإطار المرجعي الذي تُحاكم بالنسبة إليه دعاوى الحقيقة والمعرفة، وأن هذا الإطار موجود ومستقل عنّا استقلالاً تاماً، وسواء اكتشفناه أو لم نكتشفه، وسواء صحت فكرتنا عنه أو أخطأت، فلا علاقة له بخبرتنا المكتسبة، إذ أن خبرتنا في أفضل أحوالها لا تزيد عن محتوى مُشوَّه من لقطات واجتزاءات عن ذلك الإطار، وأن علينا أن نستخدم العقل لنتغلب على ذلك التشويه. وهذا المنظور قد تبناه أفلاطون قديماً، وتبناه ديكارت لاحقاً، وهو المنظور الذي قامت عليه ميكانيكا نيوتن في أرضية بِنيتها، والذي كان فيه المكان والزمان الإطاران المُطلقان والمتمايزان لكل ما يقع في الكون من حوادث. (لاحظ أن نظرية النسبية[12] relativity بشقيها الخاص والعام كانت ثورة على هذا المنظور المعياري)

أما منظور فايرآبند فيقول: "لا يوجد هذا الذي ظنوه بالإطار المرجعي المطلق! أنظروا... مضى أكثر من 23 قرن من الزمان في البحث عنه ولم نصل إليه! ... علينا أن نُسَلّم بأنه وَهْم ... ما هي معايير هذا الإطار المرجعي؟ .... فالكل يعترف بأنه ليس هناك من معايير لذلك الإطار الحقيقي إذا خرجنا من دائرة خبرتنا فسوف نطّلع عليها! ... فالتصديق بذلك ليس إلا اعتقاد دوجمائي على شاكلة الاعتقادات الدينية. ( علينا أن نلاحظ أن هذا الكلام هو نفس ما قاله جون ديوي John Dewey في كتابه "البحث عن اليقين" the quest for certainty سنة 1929).

هذا وقد نشر فايرآبند كتاباً بعنوان "في مواجهة المنهج" Against Method عام 1975 يقول فيه: "لا يوجد هناك في الحقيقة منهجاً علمية للبحث العلمي والاكتشاف! ... فلا أحد يستطيع أن يتنبأ بما سيجده الباحث في طريقه البحثي! ... فقد يرى أحدهم في ما يراه النائم أن عليه أن يفعل كذا في بحثه فيستيقظ فيفعله ... والبعض الآخر يتبع خطوات بحثية نظامية ويُدوّن إجراءاته بدقة ... وبعضٌ ثالث يجرب أشياء هنا وهناك ثم يجد من أحدها أن هناك نتيجة!" ... ولا يقصد "فايرآبند" من قوله ذلك أن العلم ليس عقلانياً، ولكنه يريد أن يقول أنه ليس هناك من طريقة علمية نظامية formal method واحدة مضمونة، بحيث ينتقل بها الباحث من البيانات التجريبية الخام، وإلى أن تصل به تلك الطريقة النظامية إلى صياغة نظرية صحيحة مُرضية لهذه البيانات. وبناءاً على ذلك يقول: "إن تصوراتنا عن الحقيقة والمعرفة يجب أن تُفهم في إطار تاريخي – ويقصد بذلك نسبوي – وأننا يجب أن نقبل أن الغموض ambiguity والاختلاف contradiction تمثل مسلّمات أولية لعملية التفكر البحثي"، ويقصد أننا لا يمكن أن نتخلص من هذا الغموض وهذه الاختلافات في أفكارنا عن الخبرة. وإذا كنا نستطيع أن نفعل ذلك في تصميمنا لألعابنا الفكرية عندما نخترع لها قانون ينظم عملها، إلا أننا لن نستطيع أن نُكوِّن معرفة لخبرتنا ينمحي منها بالكليّة كل غموض وكل اختلاف، وسوف يبقى على الدوام هناك الغموض والاختلاف[13].

ينبغي لنا أن ننتبه إلى أن "فايرآبند" يقصد المعرفة الصحيحة المطلقة، ولا يُنكر فائدة العلم.

مثال سابع: ميشيل فوكو Michel Foucault (1926-1984)

كان "فوكو" من المهاجمين للموضوعية في الفكر بشكل عام، وبشكل مستقل إلى حدِّ كبير عن منهج "كيون" النقدي الذي رأيناه أعلى، ورغم أن فوكو لم يكن معنياً بالفكر العلمي ذاته، إلا أن الناقد إذا مسَّ الموضوعية والمعرفة من أي من جوانبها، فلا بد أن يمس نقده العلم والفكر العلمي، شاء أم أبى. ذلك لأن العلم والفكر العلمي قد استشرى في الفكر الغربي وتجذَّر فيه، فإذا تعلّق الأمر بنقد الموضوعية فلا بد أن يمس الفكر الإنساني الغربي الكثير من شرر تهتك الموضوعية.

صدر لـ "فوكو" كتابين هامين؛ الأول هو: "تراتب الأشياء: التشريح التاريخي للعلوم الإنسانية" the order of things: An Archaeology of the Human Sciences ، أو ما كان اسمه في الفرنسية "الألفاظ والأشياء: التشريح التاريخي للعلوم الإنسانية" Les Mots et les choses. Une archéologie des sciences humaines. أما الكتاب الثاني فعنوانه: "التشريح التاريخي للمعرفة" the archaeology of knowledge. وفي هذين الكتابين – وهو ما تم تفصيله في كتب لاحقة - طوَّر فوكو منظوراً لتطور المفاهيم التي تستخدمها المجتمعات الغربية – والثقافة الغربية – في تنظيمها للخبرة المكتسبة بشكل معين. وتمثَّل ذلك في دراسات خاصة أجراها على ظواهر بعينها مثل: الجنون، والمرض، والجنس، والجريمة، وبيَّن في كل حالة من هذه الحالات الأربعة المراد من الظاهرة، وكيف تم تعريفها، وكانت نتيجة ذلك أن وجد أن الإجابات تتفاوت بشكل جذري! وتعتمد على منظور المجتمعات الغربية المختلفة والمتعاقبة، وتعتمد على السياقات الاجتماعية التي بتفاوتها تتعين معالم تلك الظواهر من حيث المعنى والتعريف. أي أن المنظور نسبي، ويتغير تعريف المجتمع للظاهرة بتغير الإطار المفهومي مع الزمن. وهذا يجعل من تعريف تلك الظواهر الاجتماعية – إذا كان لها أي معانِ مميزة – يقوم فقط على المرجعيات التنظيمية في كل مجتمع على حدى. وتكلم "فوكو" عن طريقته البحثية تلك، بما أطلق عليه "المنهج التشريحي التاريخي" archaeological method أو المنهج التنقيبي excavation method، والتي فيها يلاحق تتابع فهم تلك الظواهر في المجتمعات الغربية، ويُعرِّي الوعي الكامن بها، فيجد أنها ليست مفاهيم طبيعية مطلقة، ولكنها مفاهيم وتصورات نسبية صناعية، أخرجها كل مجتمع حسب منظوره، وانعكست فيها تغيرات السياقات الاجتماعية التي أخرجتها.

وفي تطور لاحق لأفكار "فوكو"، ربط بين التأثيرات التوظيفية لتلك المفاهيم المتبدلة، ومنشأ تبدل المفاهيم ذاتها، بما سماه "المنهج النَّسَبي" genealogical method، وفيه تكون الأحكام اللاحقة للمجتمع عن الظاهرة تابعة لما آل إليه تعريفها ومفهومها. وحيث أن مفهوم الظاهرة في الوعي الاجتماعي والعلمي ما هو إلاّ "معرفة" knowledge؛ فيصل فوكو إلى النتيجة التي لا مفر منها، وهي أن المعرفة هنا – بمعناها الشامل – ليست عطاءاً given مقدساً (... إسمعي يا جارة)، بمعنى أنه ليس هناك من مُعجَم مطلق يمكننا بالرجوع إليه، أن نعرف ما هي المعرفة التي نستقر عليها (... إنهم يبحثون إذاً عن كلام الإله الخالق الذي لا مُبدِّل لكلماته). ويقصد فوكو من ذلك أن مفهوم "المعرفة" – يقصد مفاهيمنا للأشياء والظواهر – يتغير مع الزمن، وبصورة مُعمَّقة مع تغير السياقات الاجتماعية.

وتُذكِّرنا هذه النتيجة بنسبوية "فايرآبند" وتاريخيته، وإن كان المدخل والتعبير مختلفان. والاختلاف يرجع إلى أن فوكو ربط بالفعل بين تنظيره وما آل إليه من نتائج، بحالات دراسية عينية، نقصد: الظواهر الاجتماعية التي درسها، وهي: الجنون، والفقر، والجنس، والجريمة.

والنتيجة العامة من هنا أو هناك تقودنا إلى نتيجة واحدة وهي أن:

[منظومة المفاهيم التصنيفية التي ننظم من خلالها انعكاسات الخبرة على تصوراتنا، هي منظومة مُختَلَقة نصنعها نحن، وليست منظومة طبيعية نكتشفها.]

مثال ثامن: جاك دريدا Jacque Derrida (1930-2004)

شنّ دريدا نقداً أشد تأصيلاً وتجذّراً على التقاليد العقلانية الغربية. وقد بنى دريدا نقده على نظرية في اللغة لعالم اللسانيات الشهير فرديناند دو سّوسوور Ferdinand de Saussure كان فحواها أن اللغة نظام مغلق من العلامات الاعتباطية closed system of arbitrary signs، والتي لا ترتبط بالضرورة بما تُشير إليه العلامات المكتوبة أو المسموعة[14]، وما يكسب اللغة وعباراتها معنى، هو العلاقات الداخلية بين تلك العلامات. وقد طوّر دريدا وعمم هذه النظرية إلى معنى يقول فيه أنه ليس هناك من معنى ضروري لأي نص! لأن المعاني لا نهاية لها بحكم أن منظومات العلامات – المتمثلة في العلاقات المعقدة الداخلية بين عناصر النص - لا نهاية لها، إضافة إلى الانعكاسات العديدة المحتملة للنص على ذهن المتلقي. ولا تقصر القدرة على تحديد المعنى عن المتلقي وحده، بل إن مؤلف النص نفسه لا يستطيعه! ولن يستطيع القول بأن المعنى وحيد وهو كذا! ... لماذا؟ .... لأن المؤلف لا يملك الإحاطة بكل الاحتمالات الممكنة التي يمكن أن تتولد عن النص الذي كتبه هو نفسه بعباراته ومقاطعه، من مجازات، واستعارات ، وبلاغة، وظلال .. إلخ. .... وبناءاً على ذلك لن يستطيع الباحث أن يُوصِّف مسبقاً معياراً للتفسير الجيد أو المقبول للنص، ولا يعني ذلك أن كل التفسيرات تتكافأ، بل يعني أنه من المستحيل وضع قواعد يمكن للباحث إذا اتبعها أن يحصل على تفسير جيد. .... وفقط ... بعد أن نستمع إلى تفسير مفسر النص يمكن أن نحكم عليه هل هو تفسير جيد أو غير جيد. لماذا؟ ... لأن فعل النص في النفس بمعنى ما، لا تنحصر أسبابه وأسواره، والنفس السامعة نفسها جزء من المعادلة بما تَعْلم أو لا تَعْلم، وبما تنفعل أو لا تنفعل، ناهيك عن عدم انحصار المعنى قبل سماعه. ...

الخطوة التالية التي فعلها "دريدا" هو تعميم معنى النص – مثلما عمّم "فوكو" معنى الظاهرة الاجتماعية – إلى "المعرفة". وبهذا التعميم، سنجد أن كل شيء أصبح نصاً، فما يستقبله البصر من أشياء أصبحت كلها نصوصاً. فالسيارة المرسيدس "نص" يختلف عن "نص" آخر من نوعه هو سيارة بي إم دبليو، والثوب الأبيض "نص" يختلف عن "نص" الجاكيت والبنطال، وهكذا يمكن قراءة أي شيء وكل شيء؛ المباني، تسريحات الشهر، اللوحات الفنية، لحن الكلام، النغم الموسيقي...إلخ والشاهد أنه ليس هناك من حدِّ يقول لك: ما هو المعنى الصحيح لكل نص من هذه النصوص؟!

وقد سمّى دريدا طريقةً أو منهجاً انتهجه بإسم "التفكيكية" deconstruction، أراد بها أن تكون "طريقة لإظهار تلك المستويات التأويلية الدفينة في النص، والتي تختبئ في ظلاله البلاغية". وبمعنى آخر، أرادت التفكيكية أن تتجسس أو تتلصص على النص أو تدخل كواليسه لتطّلع على التقاطعات والارتباطات المعنوية التي تريد سلطات النص أن تُعمِّيها على القارئ. وقد تكون هذه السلطة هي المؤلف نفسه، والذي يزعم أنه ما أراد إلا معنى كذا دون غيره.

ويُعتبر "دريدا" و"فوكو" رائدان معاصران من رواد ما بات يُسمّى بمدرسة "التأويل الهرمنيوتيقي"[15] hermeneutic interpretation وذلك في مقابل المدرسة التحليلية بصفتها كانت المدرسة الوحيدة التي تنقب عن مستويات المعنى المتعددة في النص، وبتطبيق ذلك على العلم، يصبح معنى العلم في أي لحظة، أنه تأويلاً للخبرة، وتنجلي الصورة عندئذ بلا نهائية التأويلات المحتملة التي من الممكن أن نصل إليها، سواء بتغير الخبرة التي نكتسبها، أو بانفعالنا معها على نحوٍ مختلف. وذلك مثلما أننا انفعلنا على نحو مختلف بما تعنيه ظواهر الجنون، والفقر، والمرض، والجنس، والجريمة، لذا، والتي كانت عينات الدراسة عند فوكو؛ نفس الشيئ ينطبق على الخبرة. وكانت النتيجة أن دفع كل من "فوكو" و "دريدا" بفكرة كيون في نقده لموضوعية المعرفة العلمية - صراحة أو ضمناً – إلى اتجاه متعاظم من الحدة radical direction.

ومن أهم ما قال دريداً ويمس موضوعنا في الصميم أن النفس (النفس الإنسانية) هي تركيب أو صناعة اجتماعية. وأن النفس ليست ذلك الشخص الذي يُولَد به كل إنسان، وأننا لا نحيا بتلك النفس البريئة الحياة العقلية والروحية التي ينطلق بها هذا الإنسان بصورته الطبيعية، ولكن النفس هي حصيلة التفاعل الاجتماعي، والنتيجة هي أن المجتمع يتقدم على الفرد، وقد حاول معارضون أن يُبَرءوا المجتمع من ذلك من أمثال آلان رينو Alain Renaut.

ولو دققنا النظر فسنجد أن دريدا يؤكد ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك حين قال[16]: "ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه" وفي نهاية الحديث، يقرأ صلى الله عليه وسلم قول الله تعالى: "فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ"(الروم:30). ونكرر ما قلناه سابقاً من أن هذه الفطرة هي الأمية في صورتها المعرفية، والفعل الاجتماعي في تشكيلها أو تشويهها هو بيت القصيد في موضوعنا.

خلاصة انكشاف تلبيس الحق والباطل في العلم الإنساني الصناعة

هل يبرأ العلم الغربي من التهم السابقة، والتي أثارها النقد المتتابع لمنهجه القاصر وخاصة في النصف الثاني من القرن العشرين؟ - لا يبرأ، وليس معنى ذلك هدمه، فاتهام المذنب لا يعني قتله، بل يعني توجيهه، وألاّ يكون المثل الأعلى، ورغم الحرص الشديد على اكتساب العلم وصناعته حتى مع مخاطر هذه الصناعة إلا بحقها، إلا أن ذلك في حق من وكَّلهم الله في أمرهم. ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يتركه الله تعالى يخوض فيما يخوض فيه الخائضون، بل حفظه كما حفظ كتابه، وتولَّى سبحانه تعليمه مباشرة بما أوحى إليه. فكان لزاماً أن يظل وعاؤه نظيفاً طاهراً ليتقبل ما يوحى إليه على لا غبش من غبش الدنيا، وتلك هي الأمية. فـ "النبي الأمي" هو الذي لا أثر في علمه لمكتسبات العلم الإنساني المشوش، على نحو ما رأينا أعلى. ومَن منّا يقبل أن يأكل في صحن غير مطهَّر مما كان فيه من طعام سابق، وبما اختلط فيه من الصالح والفاسد، والذي تعافه كلُّ نفسٍ ذكية؟! فإذا كان ذلك مذاقنا وحرصنا كما نعلم، فما البال بصحن رسول الله الذي سيُسكب فيه وحيٌ من الله سبحانه[17]. ألا يكون على فطرة خالصة مخلّصة. ... وتلك هي الأمية. فلا يفهمن أحدٌ الأمية على غير ذلك المعنى، ويتعلق بمسألة الكتابة والحساب، وتختلط عليه المعاني، فتزل قدمٌ بعد ثبوتها، ويحرج نفسه بسوء فهمه.

وإن كان من رسول من رسل الله تعالى قد اكتسب من علم الدنيا شيئاً على غير الفطرة قبل بعثته، فلا بد أن يطهِّره الله منه. فهذا موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، نشأ في بيت فرعون، وتعلم من ثقافتهم ما تعلم، وهذا لا يُناسب ما هو مكتوب في قدره من رسالة التوراة وما فيها من حكمة ونور من الله تعالى، فكان لا بد أن يتطهر من علوم اختلط فيها حقٌ بباطل. فكان أن أخلصه الله من بيئة فرعون، وقال تعالى له " وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي"(طه: 41)، وأخرجه إلى البداوة والرعي فتتصفى نفسه ويعود (أمياً) من تشويش الفكر وتلبيسه. فكان خروجه دورة تطهير لنفسه وفكره من فاسد الأفكار. ومن ثم يصلح بعدها مهيئاً لاستقبال وحي الله ولما هو أكبر من ذلك، تكليم الله سبحانه له! ... وهكذا لكلّ رسول يحمل رسالة إلهية، يجب ألاّ يحمل معها من فاسد أفكار البشر شيئاً، وما ذلك منه إلا بقائه على "الأمية". أمّا من لم يوحَ إليه شيء، فأنَّى له ألا يكتسب علماً نافعا، وهو فرضٌ لا بديل له لأداء مهمته على هذه الأرض. ولا بد لنا من اكتساب العلم على ما يمسّنا من شرره ما يمسنا، أليس طعامنا فيه الغذاء والمرض، فكذلك أفكارنا فيها الحق والباطل. وإن كان الله تعالى قد تكفّل لنا بفرقانٍ في أجسادنا – أجهزتنا الهاضمة والنابذة - يميز بين صالحه وفاسده، فقد ترك لنا أن نفرق بين حق الأفكار وباطلها بما وهبنا من آليات التعقل والتمييز، وما استشكل علينا فأنزل الله تعالى فرقاناً من عنده نميز به بين الحق والباطل، فكانت مدارسة العلم في حقنا واجبة، وما أشكل علينا أو اختلفنا فيه ففرقان الله تعالى وهَدْي نبيه فيهما الهُدَى كلّه. فالأمية خير من الجهالة، والعلم خير من الأمية، إلاّ حين تلتبس الأمور، فيجب أن نعود فيما التبست وأشكلت إلى الأمية فيها، مثلما يجب أن نغتسل كلما تلطخت أجسادنا من آثر ممارسة الحياة ولوازم العيش فيها، ونعود لممارسة الحياة بنشاطٍ جديد.

الذين أسلموا من كبار المفكرين: هل عادوا أميين، أم شابت سابق أفكارهم حديث اعتقادهم؟

من الجيد التحقق من النتيجة التي وصلنا إليها – نظرياً – من تأثير الثقافة المعرفية القِبْلِيّة على فكر المقبل على اعتناق الإسلام. وإذا قلنا أن الأمية شرط معرفي لإسلام الإنسان، إنما قصدنا سلامة إسلامه، وخلوصه على الوجه الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس محض الدخول في رحاب الإسلام وقبوله كعضو مسلم في الأمة. بمعنى أنه لكي يستقبل الإنسان الإسلام خالصاً 100% ينبغي - عند اعتناقه لعقائد الإسلام - أن يكون أمياً 100%، من حيث المبدأ، وهذه هي المعادلة التي تحققت – عملياً - في فرد واحد لا على مثال يكافئه، وهذا ليس إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمتمثل في قول الله تعالى "النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ". ونقصد بالأمية كما سبق وأوضحنا، بياض صفحته المعرفية من التشويش الفكري الذي هو دائماً أبداً – بحكم التعريف - صناعة إنسانية.

وإذا كان لهذا المبدأ أن يكون صحيحاً، فلا بد أن نجد ملامح من هذا التشويش في أفكار المسلمين الجدد، وخاصَّة إذا كانوا من أصحاب الفكر، عند تبنيهم الإسلام، وقد دخلوه وفي جعبتهم ثقافة علمية وفلسفية بعيدة. ونحن إذ نذكر أمثلة بعينها، فإن ذلك ليس على سبيل الاتهام، وإنما على سبيل اختبار التنظير السابق بيانه، على عينات عملية بغض الطرف عن شخوص العينة.

ومن الأمثلة الواقعية في الجمع بين الثقافة العميقة بأبعادها الفلسفية ( وهو أقصى ما يتنافى مع الأمية)، وعقيدة الإسلام المبنية على مفهوم "الأمية" على نحو ما شرحنا أعلى، نجد "روجيه جارودي"، وقد اختار الإسلام بعد طول ترحال. فنجد أنه لم يستطع التخلص من عدد من الأفكار التي شوشت عليه الصورة، فكانت مناداته لدعوة إبراهيمية[18] تعم المؤمنين بالأديان السماوية الثلاث أو أن يلتقوا عندها، وهذا حيود بيِّن عن مرامي نصوص القرآن من أن هذه الدعوة، والتي سمَّاها الإسلام: "الحنيفية"، جاءت خالصة مخلّصة في الإسلام. ونجد جارودي في موضع آخر وقد اختلطت عليه معاني الأصولية والسلفية من جهة، وتعيُّنها في مذاهب متباينة من جهة ثانية، واشتباه الاصطلاح الغربي بالاصطلاح الإسلامي من جهة ثالثة، ثم قذفها جميعاً من كنانة واحدة![19].

يتبين من ذلك أن التخلص تماماً من شوائب الثقافة أمرٌ عسير، ورغم أن الإسلام يُطهِّر النفس من آثامها السابقة، إلا أن تطهيرها من أفكارها السابقة لا يتم بالإنابة إلى الله تعالى بالقلب والاغتسال بالجسد وحدهما، بل بمزيد جهد فكري مع خلوص النية لمن هو من أهل الفكر، واستقبال اعتقادي خالص من المصادر الأولى، وتُعد محاولة التطهر من الفكر الزائف المزَيَّن الذي كان قبل اعتناق الإسلام هو في الحقيقة محاولة للعودة إلى "الأميّة"، والتمثُّل بمن اختاره الحكيم العليم رسولاً يتكلم بكلامه ويأمر بأمره وينهى بنهيه، صلى الله عليه وسلم، ثم تَلَقِّي الحكمة من فِيهِ والامتثال لها، وبناء المعرفة الصحيحة – من جنبات الأرض وآفاق السماء - على ضوئها وفي رحابها.

أما الذين هم مسلمون مولداً، ولم يَرْووا كيانهم الفكري بروح الإسلام، ونصاعته، وخلوصه، وبدلاً من ذلك تجرعوا الفلسفة العالمية بكل أطيافها، غثها وسمينها، فاعتقدوا وتبنّوا، وناصروا طغاة الفكر وافتخروا، ولأهل الله وحبه وكلامه عادوا وحاصروا وتهكموا، ولدين الله أرادوا حبساً في زنازينَ قالوا إنها مساجدُ، فمَثًلُهم كمثل إناءٍ كان بمولدهم طاهراً مُطَهَّراً، فسكبوا فيه من الخمر ما أسكرهم، ومن فاسد الطعام ما أمرضهم، ثم تجدهم يتهكمون على من ظلّت أوعيتهم "أميِّة" طاهرة، فأي الفريقين تبتغي النفس الذكيّة مسلكاً، وأيهما تشمئز النفس منه وتهربُ؟!

وقد رأينا أعلاماً قاست من هذه المحن الأليمة ثم أفاقت، ابن الجويني قبل قرون غبرت، وزكي نجيب محمود قبل سنوات هربت، فاسمع كلامهما السابقُ - يا من كنت في هذه الغفلة تائها- واعتبر.

وننتقل الآن إلى الوجه الخامس والأخير من وجوه معاني الأمية:

الوجه الخامس من معاني الأمية: "قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ"

قال تعالى "وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ(76)"(آل عمران).

ما سياق قول اليهود هذا القول؟ وما يٌتوقع منهم أنه مرادهم في قولهم "الأميين" في هذا السياق؟

السياق: قال ابن كثير في تفسيره: [إنَّمَا حَمَلهم على جُحود الحق أنهم يقولون: ليس علينا في ديننا حَرَج في أكل أموال الأمييّن، وهم العرب؛ فإن الله قد أحلها لنا. قال الله تعالى: "وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ" أي: وقد اختلقوا هذه المقالة، وائتفكوا بهذه الضلالة، فَإن الله حَرَّم عليهم أكل الأموال إلا بحقها، وإنما هم قوم بُهْت.]

و[عن سعيد بن جبير قال: لما قال أهل الكتاب: "ليس علينا في الأميين سبيل"، قال نبي الله (صلى الله عليه وسلم): "كذب أعداء الله، ما من شيء كان في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي هاتين إلا الأمانة، فإنها مؤداة إلى البر والفاجر"[20]][21].

وقال الزمخشري في تفسيره لقولهم ذلك: [أي لا يتطرّق علينا عتاب وذم في شأن الأمييين، يعنون الذين ليسوا من أهل الكتاب، وما فعلنا بهم من حبس أموالهم والإضرار بهم، لأنهم ليسوا على ديننا، وكانوا يستحلّون ظلم من خالفهم ويقولون: لم يجعل لهم في كتابنا حُرمة. وقيل: بايع اليهود رجالاً من قريش، فلما أسلموا تقاضوهم فقالوا: ليس لكم علينا حق حيث تركتم دينكم، وادعوا أنهم وجدوا ذلك في كتابهم.]

وقال ابن عبد السلام في تفسيره: [(الأُمِّيِّنَ) العرب، قالوا لا سبيل علينا في أموالهم لإشراكهم، أو لتحولهم عن الدين الذي عاملناهم عليه.]

وعدَّدَ الرازي في تفسيره وجوهاً، وقال: [الأول: أنهم مبالغون في التعصب لدينهم، فلا جرم يقولون: يحل قتل المخالف ويحل أخذ ماله. الثاني: أن اليهود قالوا "نَحْنُ أَبْنَاء الله وَأَحِبَّاؤُهُ"(المائدة : 18) والخلق لنا عبيد فلا سبيل لأحدٍ علينا إذا أكلنا أموال عبيدنا. الثالث : أن اليهود إنما ذكروا هذا الكلام لا مطلقاً لكل من خالفهم، بل للعرب الذين آمنوا بالرسول صلى الله عليه وسلم، روي أن اليهود بايعوا رجالاً في الجاهلية فلما أسلموا طالبوهم بالأموال فقالوا: ليس لكم علينا حق لأنكم تركتم دينكم، وأقول: من المحتمل أنه كان من مذهب اليهود أن من انتقل من دين باطل إلى دين آخر باطل كان في حكم المرتد، فهم وإن اعتقدوا أن العرب كفار إلا أنهم لما اعتقدوا في الإسلام أنه كفر حكموا على العرب الذين أسلموا بالردة.]

نقول: أنه لما كذَّبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال كما جاء أعلى: "كذب أعداء الله، ما من شيء كان في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي هاتين إلا الأمانة، فإنها مؤدّاة إلى البر والفاجر"، فما كان يكذّبهم إلا في ما كان منهم من أن قولهم هذا مٌنَزّلٌ لهم من عند الله. وهذا افتراء منهم لأن الله حرَّم أكل الأمانة مهما كان صاحبها: برٌ أو فاجر.

أما قصدهم من الأميين، فالراجح أنهم لم يقصدوا العرب على العموم، وإلاّ ما كان بينهم وبين العرب من مداينة وقضاء وتجارة قبل الإسلام! فمقصدهم إذاً من قولهم "الأميين"، أنهم "من أسلم من العرب". ويتبقى أمامنا وجهين، إما أن العلة – كما قيل أعلى - هي الارتداد عن دين إلى غيره على العموم، وهذا غير راجح عندنا، إذ أن هذا الأمر لا شأن لهم به لو لم يصاحبه خصومة لهم ومعاداة منهم للدين الجديد. والثاني وهو الراجح: أنهم العرب الذين أسلموا ونشأ بين اليهود وبينهم عداوة وخصومة أبغضوهم على إثرها. وهنا يستحلون ما استحلوا ويقولون "ليس علينا في هؤلاء سبيل". والسؤال هو: لماذا سمُّوهم "أميين"؟ .... يبدو لنا أحد أمرين: إما أنهم وصفوهم بما وصفهم به القرآن "هُو الَّذِي بَعَثَ فِي الأمَِيِّين رَسُولاً مِنْهُمْ"، أو أنهم أرادوا تسميتهم بصفة يترفعون عنها لأنهم أهل الكتاب دون غيرهم، فتكون العلة تصغيراً لهؤلاء الأميين، وأنهم دونهم في المرتبة التعليمية ومن ثم أرادوا تجهيلهم وتحقيرهم وأنهم فوقهم، وخاصة بما قالوه في موضع آخر: "نَحْنُ أبْنَاءُ الله وأحِبَّاؤه"(المائدة:18) وأنهم ليسوا كباقي البشر، و ردَّ الله تعالى عليهم، "بَلْ أنْتُم بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقْ"(المائدة:18)

غير أنه لا يُستبعد أن يكون مقصدهم، وكأنهم يقولون بلسان الحال، أو فيما بينهم: "هؤلاء الذي آمنوا بما جاءهم به محمدُ، وناصبونا العداء بما فضحنا به من أفعالنا، ألا يكفيهم أنهم من العرب الجهلاء الذين لا كتاب لهم، وكنا نعاملهم وكأنهم أمثالنا، مع أن النبوة فينا وكليم الله منا، وما لهم من ذلك من شيء، ...ألا يعلمون أننا خيرٌ منهم، .... ألا يعلمون أن الله قد عهد إلينا أن من عادانا من الأمم تسقط أي حقوق لهم عندنا، بما مكننا في أمثالهم من قبل، وأنه لا سبيل علينا في ذلك، آه من هؤلاء الأميين، لا سبيل لهم علينا بعد اليوم، لا سبيل"، .... ويكون ذلك الحال منهم سياق التأويل المحتمل لقول الله تعالى على لسانهم "لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ".

فيكون معنى الأميين الأرجح عندنا في هذا السياق، أنه تسمية من اليهود لمن آمن من العرب بصفة تراوح مكاناً في نفس المتكلم بين:

1- عدم الأهلية لكونهم غير كتابيين، ويقصدون أنهم من غير اليهود.

2- عدم العلم – حيث لم يكن لعرب الجزيرة مثل العراق والشام ومصر الذين يعلم اليهود أنهم أصحاب علم بالسماء والحساب، والأنظمة والقوانين والكتابة والتدوين، حتى قبل نشأة اليهود أنفسهم.

3- التجهيل والتحقير: لأن من جمع هذه الصفات يكون أقل من غيره. ويبدو أن هذه الصفة كانت مقصودة على وجه خاص من اليهود، بما تلتبس مع معني "الأميين" العام، فيبدو عندئذ أنهم لا يقصدون التحقير، وهم في الحقيقة لا يريدون من قولهم غيره.

وقد استبعدنا أن يستخدم اليهود هذا الاسم تقليداً من القرآن، بعد أن يكونوا سمعوه في قوله تعالى "هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ "(الجمعة:2) لأن سورة الجمعة قد نزلت بعد آل عمران[22] والتي جاء فيها قولهم " لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ"(آل عمران:75)

ونستبعد تماماً أن يكون لفظ "الأميين" (إسم عَلَمْ) على من كان غير كتابي خاصة، كما قال الجابري، و"حاج حمد" صاحب العالمية الإسلامية، ولويس عوض، أو من كان من جنس العرب خاصة، كما جاء على الظاهر في بعض التفاسير. ويكون الراجح - في هذا الوجه الذي نحن بصدده - أنه (اسم صفة) يحمل هذه الدلالات المشار إليها أعلى، من عدم اكتساب معرفة نظامية أساسها الكتابة أو الحساب، وممارسة التعلم، سواء كان التعلم كتاباً منزلاً، أو تأليفاً وتصنيفاً بشرياً. ورغم أن هذا المعنى هو الظاهر على ما بدا من قول اليهود، إلا أنهم قالوه ليُبْطِنوا من ورائه معنى التهكم على هذه الصفة باعتبارها نقيصة، بحكم أنهم يتعالون على غيرهم بما عندهم من كتاب سماوي، وذلك من قبيل ترفعهم والنصارى على الغير والمُكّنّى عنهم في قولهم المحكي عنهم "نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ"(المائدة: 18).

ولا يبدو بعيداً – إعتماداً على ترتيب النزول - أن يكون نزول قول الله تعالى "هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ"(الجمعة:2) بعد قول اليهود قولتهم: "لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ"(آل عمران: 75) إنما لينافح به سبحانه عن المؤمنين والرسول صلى الله عليه وسلم الذي هو منهم، ويقول سبحانه لليهود – تأويلاً – [هؤلاء الذين أردتم التحقير منهم بوصفهم بأنهم "أميين"، هم حقاً "أميين" ولكن على البراءة والطهارة والفطرة التي خلقتهم عليها، وقد أرسلت لهم رسولاً منهم – أي مثلهم في الأمية والبراءة - .." يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ .."] فينقلب وصف اليهود من (سُبَّة) أرادوها بالمؤمنين، إلى (فضيلة) يعز الله تعالى بها عباده المؤمنين، وبنفس اللفظ "الأميين" ولكن من وجهين متناقضين، وذلك مثل قول الله تعالى "ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ"(الدخان:49) الذي هو مفعم بمعاني الإذلال والتحقير، رغم أنها ألفاظ لا تأتي في غير هذا السياق إلا بالسمو والتكريم ... والله أعلم بمراده.

خُلاصة وجوه المعاني في ألفاظ "الأمية"

رأينا إذاً أن الأمية لها وجوه من المعاني، تختلف باختلاف السياق، وعدّدنا لذلك خمسة وجوه:

1- "الأمية" في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم "إنا أمة أمية": هي ما تستدعي لغة خطاب تكليفي عام، بما يشمل أدنى درجات الأمة ثقافة لرفع الحرج.

2- "الأميين" في قوله تعالى "هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ"(الجمعة: 2): وهم الذين على صفحتهم البيضاء النقية وفطرتهم البريئة ليبدأ القرآن معهم من هذه المرحلة الأولى، فيُربيهم ويُزكيهم ويُعلمهم بمنهج تربوي متكامل.

3- "الأمِّيون" في قوله تعالى "وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ"(البقرة:78): وهم الفئة الأقل ثقافة في أي مجتمع، غير المندرجة في مسيرة الفكر، وهم الذين اتبعوا غيرهم بغياب مستثيرات الفكر والعلم، فلا تحركهم إلا أمانيهم وظنونهم عن لا سند، وهؤلاء لا تخلو منهم أمة حتى لو كانون يقرأون ويكتبون.

4- "الأمِّي" في قوله تعالى " الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ"(الأعراف:157،158) هو: الذي تخلو صفحته من أي علم إنساني مشوش، مرتبك، يسوده الغموض والجهالة، وتبدل الرأي وانقلاب الرؤية، فيُسكب فيه وحي الله على طهر ونقاء، ويعلمه الله من علمه كيف يشاء.

5- "الأميين" في قول اليهود كما جاء في كتاب الله تعالى عنهم "قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ"(آل عمران:75) هم: (العرب الذين لم يكن لهم سابق علمٍ وكتاب وحيٍ)، ويريد اليهود من ذلك السخرية منهم، والتهكم عليهم، ودُنُوِّ مرتبتهم، وتبرير أكل حقوقهم بعد أن أسلموا لله، وذلك حنقاً عليهم، وهو فعلٌ غير مستغرب منهم، ويتسق مع طباعهم.

رؤية الهلال ووجوبها بحكم بقاء علة الرؤية ودوامها:

تبين لنا مما سبق من تحليلات أن الأمّية بمعناها المعرفي ليست بالظاهرة التي إلى زوال، حتى لو زالت بالمعنى المعياري ذي المؤشر الآلي، المتمثل في مستويات التعليم النظامي، والذي يُعد قاصراً عن درك أبعاد الأمية بمعناها المعرفي. ومرد بقاء الآمية في أي مجتمع - بهذا المعنى المعرفي - يعود إلى أن هذه الظاهرة نتائج عوامل اجتماعية عديدة، أهمها، أن البنية الاجتماعية تتوزع حتماً على سلم معرفي لا تنضب شرائحه جميعاً لديناميكية مُغذيات هذه الشرائح على الدوام. لذلك سيظل هناك أمُّيون في كل مجتمع، وعلة أميتهم ليست فقدانهم وسائل التعليم، بل كونهم لا يستطيعون توظيفها ولا يسعهم الإحاطة الدنيا بتطويعها وتطويرها مع ممارستهم حياتهم المعيشية. وهذه الفئة الاجتماعية تتبع عادةً الفئة صاحبة القرار الإداري والفكري. وهذه الفئات المتبوعة شديدة الخطورة بتأثيرها على تابعيها. إذ أن زللها زلل لباقي المجتمع. ويوم القيامة يتبرؤون من تابعيهم فيما زلّوا فيه. لذا، اقتضت حكمة الله أن لا يكون لتلك الفئة في شريعته سلطة بين عباده وبينه سبحانه، وأن تظل على الدوام أركان دينه مباشرة بلا تبعية ولا وصاية. لذا فالأمة أمية بهذا المعنى. أي لا فضل لعالم على أمّي يسوقه بها كالدابة العمياء لا تدري وِجهة، ولا تُبصر طريقا. ولا يعني ذلك أن على كل مسلم أن يرى هلال الشهر الجديد عن نفسه، لأن حدث الشهر حدث اجتماعي، فرؤية الشهود العدل تكفي جماعة المسلمون، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "الفطر يوم يُفْطِرُ الناس، والأضحى يوم يضحِّي الناسُ"[23].

فإن خالفت القيادة الاجتماعية – إدارية أو فكرية - شرع الله المنصوص عليه قرآناً أو سنة، بتبديلٍ من عندها، فوزرُها عليها، والزود عن شرع الله تعالى واجب لمن علم كيف يدافع عنه، ويصبح فرض عين حتى تنجلي ظلمات الفهم الذي التبس على العلماء قبل التابعين.

وما دامت "الأمية" بمعناها الذي شرحناه باقية أبدا، فالحجة الواهية بأن وجوب الرؤية مرهونٌ بها، تسقط سقوطاً مروِّعاً. ورغم أن تلك الحجة كانت خاوية المعنى، لتطفلها على النص ومحاولتها التهرب منه، إلا أن فضح زيفها إلى آخر المطاف واجب لقطع الطريق عليها فلا تقم لها بعد اليوم قائمة.

وإن كان إثبات صواب الرؤيا العيانية للهلال – في رأي البعض - يجعل مسألة نزاعها مع الحساب الفلكي تراوح مكانها، إلا أن وجوب الرؤية الآن يصبح أشد جلاءاً لمن تغبّشت المسألة على بصائرهم، وعليهم أن يستحضروا الوعي والفهم ليروا كيف يمكن إعمال الرؤية الواجبة بلا إشكال.

وقد كان الطرح أن يرفعوا الإشكال بإلغاء الرؤية كما تفعل قلة من الدول الإسلامية، غير أن هذا فعل آثمٌ على الظاهر لمخالفته للنص، وعلى ما قطعنا به أعلى من نتائج. ولا ندري أهم معذورون فيه لعدم علمهم بآلية تطبيق حكم الرؤية بلا إشكال، فيهربون منه، أم أنهم آثمون لعدم تطبيقه حتى مع عشوائية التطبيق (تضارب الرؤية) كباقي الدول.

ولكن، ألا يخلو تطبيق حكم النص بالرؤية مع عشوائية التطبيق من إثم، نقول إنه لا يخلو! وتسقط في تحليلات سنعرضها في المقال التالي إن شاء الله حجة المُقرِّون بعشوائية التطبيق، المستحلُّون له، القائلون بأن لكل بلد مطلعها في زمننا هذا. ومثلهم في استحلال تضارب الرؤية مثل الذين قالوا بانتفاء وجوب الرؤية لانتفاء علتها وهي الأمية، وقد رددنا على الآخرون في هذه الدراسة، وبقى الأولون، ومناط المثلية بين الفريقين يكمن في عدم الإحاطة العلمية بمحل النزاع عند كل منهما.

خلجات نفسٍ حول "الأميَّة"

الأمية، الأمية، وما أدراك ما هي..؟

قالوا: جهالة، فاستنكروا!

وقالوا: "ما بالكتابة والقراءة يعلم"، فاستعجزوا!

وقالوا: "ما يتبع من السماء كتاباً"، فتضاربوا!

وقالوا: "غفلة"، و"سذاجة"، فتحرّجوا.

وقالوا: "عييُّ قلما يتكلمُ"، فتلعثموا.

وما دروا أن ظلال الغروب لو كثرت لا تتضايفُ.

وأن اللفظ له من ظلاله بدائلُ

غير أنها لا تُزيحه وتقعدُ

وتظل ظلالاً لو راح هو، تطايروا

وتظل وجوهاً يرونها وإن لم تكُ

وجاءت أخيرا علةُ صريحةُ فما دروا

رؤية جاهرة لهلال الشهر، فما وعوا!

حُكماً ولا عِلةً ولا قِياساً يتنقلُ!

وقالوا لم تعد الأمية بنا علة فنُبصرُ!

وكفى بالحساب علما به نتفاخرُ!

ونسوا أن العلة في من لا يُبصرُ!

فحسِبوا وما رأوا!

وأثبتوا سواداً يتخفتُ!

فقالوا: ثبتت الرؤية فنصوم ونُفطرُ!

فجاء الهلال عشاءاً يتهللُ!

فما وجد من مُضيفٍ له حيٌّ يُكرِمُ!

غير عجوز حنى بها الزمانُ كما حنت على صغار لها قد أيفعوا!

أو غلام نضرٌ او فتاة غافلُ!

أو شيخ شبه ضريرٍ متبسمٌ يتنسمُ!

ضياَّ لقمرٍ في خلوةٍ، لله يتعبدُ

فراح يلُفُّه بضيِّه ويأنسُ

بأمية قدَّرها الله لهم بها يتلحفوا

ليسوا من أهل الحساب يتعاجبوا

أراد الإله لهم من فضله

بصائرٌ في دينهم بلا قلم يتخططُ

أو فكرٍ عويصٍ بالأرقام يتلعثمُ

به انشغال لهم عن حصادٍ، اللهُ به يتفضلُ

فمن أراد نسيماً غير هواء الله فلينثروا

عطراً بغير هواء الله لا يُتنسمُ

ولا يقولوا هواءٌ عليلٌ عفا الزمان، نتبدلُ

إنما العليلُ من في دين الله يتكلفُ

-----------------------------------------------------

المراجع

1. صحيح البخاري

2. صحيح مسلم

3. سنن أبي داوود

4. صحيح ابن خزيمه

5. تفسير ابن أبي حاتم.

6. تفسير الطبري.

7. تفسير الرازي.

8. تفسير الزمخشري.

9. تفسير ابن عبد السلام.

10. ابن تيمية، مجموع الفتاوى الكبرى، جمع وترتيب عبدالرحمن بن محمد بن قاسم، دار الرحمة للنشر والتوزيع.

11. ابن تيمية، رسالة "رأس الحسين"، نسخة إلكترونية.

12. ابن منظور، لسان العرب.

13. ابن حجر العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري، الطبعة الأولى، دار الريان، القاهرة، 1407 هـ.

14. ابن خلدون، المقدمة، نسخة إلكترونية.

15. محمد ناصر الدين الألباني، السلسة الصحيحة، والسلسلة الضعيفة، نسخة إلكترونية.

16. ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، نسخة إلكترونية.

17. ابن جني، الخصائص، تحقيق محمد علي النجار ، بدون تاريخ، ، القاهرة.

18. الحسن ابن الهيثم: "المناظر"، نسخة إلكترونية.

19. أبو البقاء الكفوي، "الكليِّات"، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1998.

20. أبو حامد الغزالي، "المستصفي في أصول الفقه"، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1993.

21. أبو حامد الغزالي، ميزان العمل، تحقيق سليمان دنيا، من ذخائر العرب، دار المعارف، القاهرة، 1964.

22. أحمد محمد شاكر, "أوائل الشهور العربية: هل يجوز شرعاً إثباتها بالحساب الفلكي؟"، رسالة كتبها 13 فبراير 1939هـ، مكتبة ابن تيمية، القاهرة.

23. حسين كمال الدين، "دورتا الشمس والقمر، وتعيين أوائل الشهور العربية باستعمال الحساب"، دار الفكر العربي، 1996.

24. شرف القضاة، ثبوت الشهر القمري بين الحديث النبوي والعلم الحديث،

http://www.icoproject.org/pdf/sharaf_1999.pdf

25. محمد بن صبيان الجهني، "الحساب الفلكي بين القطيعة والاضطراب"، ضمن "مقالات حول الحساب الفلكي"، نسخة إلكترونية.

26. ناصر الدين الأسد، مصادر الشعر الجاهلي، نسخة إلكترونية.

27. محمد عابد الجابري، "مدخل إلى القرآن الكريم، الجزء الأول: في التعريف بالقرآن"، مركز دراسات الوحدة العربية، 2006.

28. لويس عوض، "مقدمة في فقه اللغة العربية"، رؤية للنشر والتوزيع، القاهرة، 2006.

29. ابن جني، الخصائص، تحقيق : محمد علي النجار، عالم الكتب، بيروت.

30. عباس حسن، النحو الوافي، نسخة إلكترونية.

31. محمد أبو القاسم حاج حمد، "جدلية الغيب والإنسان والطبيعة – العالمية الإسلامية الثانية"، طبعة ثالثة للعالمية الإسلامية، دار الهادي، بيروت، 2004.

32. محمد أبو القاسم حاج حمد، "منهجية القرآن المعرفية – أسلمة فلسفة العلوم الطبيعية والإنسانية"، دار الهادي، بيروت، 2003.

33. ابراهيم أنيس، "دلالة الألفاظ"، دار المعارف، طبعة سادسة، 1986.

34. ابن الجوزي، "نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر"، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1984.

35. الحسين بن محمد الدامغاني، "قاموس القرآن، أو إصلاح الوجوه والنظائر"، تحقيق عبدالعزيز سيد الأهل، دار العلم للملايين، بيروت، 1985.

36. ابن قيم الجوزية، "بدائع الفوائد"، ج2، ص301، تحقيق بشير محمد عيون، ط1، مكتبة البيان، بيروت، 1994.

37. إبن العربي، أحكام القرآن، نسخة إلكترونية.

38. إبن سعد، الطبقات الكبرى، نسخة إلكترونية.

39. البلاذُري، فتوح البلدان، نسخة إلكترونية.

40. أحمد الأحمدين، "الوقوف على الأمية عند عرب الجاهلية"، مركز الحضارة العربية، القاهرة، 1999.

41. سلوى محمد العوا، "الوجوه والنظائر في القرآن الكريم"، دار الشروق، القاهرة، 1998.

42. مصطفى بن عيد الصياصنة، "الأمية في المنظور الإسلامي"، مجلة البحوث الإسلامية، جزء 45، ص121، جمادى الثاني/1416هـ.

43. محمد بن صبيان الجهني، "الحساب الفلكي بين القطيعة والاضطراب"، ضمن "مقالات حول الحساب الفلكي"، نسخة إلكترونية.

44. أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل البوصيري، "اتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة"، نسخة إلكترونية.

45. أبي إسحاق الشاطبي، "الموافقات في أصول الشريعة"، دار المعرفة، بيروت، نسخة إلكترونية.

46. أحمد بن محمد الحموي، "غمز عيون البصائر في شرح الأشباه والنظائر"، نسخة إلكترونية.

47. إبن أبي العز الحنفي، شرح العقيدة الطحاوية، تحقيق أحمد محمد شاكر، نسخة إلكترونية.

48. ابن سينا، القانون في الطب، نسخة إلكترونية.

49. عبد الرحمن الجبرتي، "عجائب الآثار في التراجم والأخبار"، نسخة إلكترونية.

50. طه حسين، "في الشعر الجاهلي"، دار المعارف للطباعة والنشر، سوسه، تونس، نسخة مصورة عن طبعة دار الكتب المصرية، 1926م.

51. زكي نجيب محمود، "خرافة الميتافيزيقا"، دار الشروق، 1953.

52. زكي نجيب محمود، "موقف من الميتافيزيقا"، دار الشروق، 1983.

53. زكي نجيب محمود، "قيم من التراث"، طبعة ثانية، دار الشروق، القاهرة، 1989.

54. عزالدين كزابر، " مقدمة في أصول فقه العلوم الاجتماعية والإنسانية – دراسة تحليلية نقدية للأصول الغربية لعلوم الاجتماع والإنسانيات من منظور إسلامي"، دار الفكر العربي، القاهرة، 2008.

55. مصطفى حلمي، "إسلام جارودي"، دار الدعوة، الإسكندرية، 1996.

56. علي جمعه، مجلة المسلم المعاصر – العدد 93/94 لعام 1999.

57. محمد الغزالي ، ( 1400هـ ) ، نظرية التربية الإسلامية للفرد والمجتمع ، ضمن بحوث ندوة خبراء أُسس التربية الإسلامية المنعقدة بجامعة أم القرى في مكة المكرمة خلال الفترة من 11 – 16 جمادى الثاني 1400هـ . مكة المكرمة : جامعة أم القرى ، مركز البحوث التربوية والنفسية.

58. سمير عطا، "نابليون وحقيقة اعتناقه الإسلام في مصر"، (نقلاً عن: مجلة الفيصل /العدد 294)

http://www.balagh.com/mosoa/garb/rm0pqlx8.htm

59. صالح علي أبو عراد، "التربية الإسلامية، المصطلح والمفهوم"، 1426. http://saaid.net/Doat/arrad/17.doc

60. حسن ملا عثمان، الطفولة في الإسلام – مكانتها – وأسس تربية الطفل، دار المريخ، 1982.

61. رينيه ديكارت، "مقال عن المنهج"، ترجمة محمود الخضيري، تقديم عثمان أمين، هيئة الكتاب المصرية، 2000

62. جورج جي إم جيمس، "التراث المسروق"، ترجمة شوقي جلال، المجلس الأعلى للثقافة، المشروع القومي للترجمة، القاهرة، 1996.

63. زيجرد هونكه، شمس العرب تسطع على الغرب، دار الجيل، دار الآفاق، طبعة 8، بيروت، 1993.

64. لويس ماسينون، "محاضرات في تاريخ الاصطلاحات الفلسفية العربية"، ألقيت في الفترة (25 نوفمبر 1912 إلى 24 إبريل 1913) ، تصدير إبراهيم مدكور، تحقيق وتقديم وحواشي: زينب الخضيري، نشر: المعهد العلمي الفرنسي للآثار الشرقية بالقاهرة، 1983.

65. "الكتاب المختصر في حساب الجبر والمقابلة – تصنيف الشيخ الأجل أبي عبد الله محمد بن موسى الخوارزمي"، أنظر الترجمة الإنجليزية، ترجمة فريدريك روزين Frederic RosenK ، لندن، 1831. وموجود على موقع أرشيف الإنترنت

http://www.archive.org/details/algebraofmohamme00khuwrich

66. توماس كيون، "بنية الثورات العلمية"، ترجمة شوقي جلال، العدد 168، شهر ديسمبر 1992،

67. توماس كيون، " تركيب الثورات العلمية"، سلسلة "فلسفة العلوم"، للدكتور ماهر عبد القادر محمد علي، دار النهضة العربية، القاهرة، 1988.

68. تقرير "التقرير العالمي لرصد التعليم للجميع" 2009، الصادر عن اليونسكو، ص 244 وما بعدها.

http://www.unesco.org/ar/efa-international-coordination/

69. The Bible, King James Versoin, Coradella Collegiate Bookshelf Editions, Internet Free Version. http://www.scribd.com/doc/20029452/Coradella-Collegiate-Bookshelf-Editions

70. Hamza Yufuf, Caesarean Moon Births: Calculations, Moon Sighting, and the Prophetic Way, Zaytuna Institute, USA, 2007.

71. Gerald Jay et al, Structure and Interpretation of Classical Mechanics, MIT Press, 2000.

72. A. M. Alioto, A History of Western Science, Englewood Cliffs, NJ: Prentice-Hall, 1987.

73. Arielle Saiber, Geordano Bruno and the Geometry of language,

74. Plutarch, Convivialium Disputationum, VIII.2.

75. The algebra of Mohammed ben Musa, dited and translated by: Frederic Rosen, London, printed for the oriental translation fund, 1831.

76. History of Civilizations of Central Asia - Vol. 4- Part II, UNESCO Publishing 2000.

77. Encyclopedia of Condensed Matter Physics, edts: Bassani et al, Elsvier Academic Press, 2005.

78. Rene Descartes, A Discourse on The Method, A New Translation by: Ian Maclean, Oxford University Press, USA, 2006.

79. Proust, Marcel, The Captive & The Fugitive: In Search of Lost Time, Translator: C K Scott Moncrieff, Modern Library Classics, 1929.

80. Stephen L. Goldman, Science Wars - What Scientists Know and How They Know It?, Lecture Series, http://www.teach12.com/ttcx/coursedesclong2.aspx?cid=1235.

81. Thomas Kuhn, The Structure of Scientific Revolutions, The University of Chicago press, 1962, 1970, Third ed. 1996.

82. Ludwik Fleck, Entstehung und Entwicklung einer wissenschaftlichen Tatsache , 1935, Translated as: The Genesis and Development of a Scientific.

83. Michael Polanyi, personal knowledge, 1958.

84. Jerome Ravetz, scientific knowledge and its social problems, 1971.

85. Michel Foucault, Archaeology of knowledge - London Routledge, 2002.

86. Michel Foucault, The Order Of Things. An Archaeology Of The Human Sciences. London; Routledge, 2002.

87. Michel Foucault, Madness and civilization - a history of insanity in the age of reason. London; Routledge, 1989.

88. Norwood Hanson, Patterns of Discovery, 1958.

89. Paul Feyerabend, Against Method, 3rd ed., Published by Verso, UK,1993.

90. http://wordnetweb.princeton.edu/perl/webwn?s=brethren

91. http://www.qaradawi.net/site/topics/article.asp?cu_no=2&item_no=5924&version=1&template_id=116&parent_id=114

92. http://en.wikiquote.org/wiki/Niels_Bohr

93. http://en.wikipedia.org/wiki/Albert_Lasker_Award_for_Basic_Medical_Research.

الهوامش



[1] Thomas Kuhn, The Structure of Scientific Revolutions, The University of Chicago press, 1962, 1970, Third ed. 1996.

ويوجد لهذا الكتاب ترجمتان باللغة العربية (على الأقل)، الأشهر منهما جاء ضمن سلسلة عالم المعرفة بعنوان: "بنية الثورات العلمية"، ترجمة شوقي جلال، العدد 168، شهر ديسمبر 1992، والثاني جاء ضمن سلسلة "فلسفة العلوم"، للدكتور ماهر عبد القادر محمد علي، بعنوان "تركيب الثورات العلمية"، دار النهضة العربية، 1988.

[2] أنظر على سبيل المثال الكتاب الأصلي لتوماس كون، الطبعة الثالثة، ص 138-143، أو ترجمة شوقي جلال، عالم المعرفة، ص177-185.

[3] نقصد بذلك د. زكي نجيب محمود، وذلك أنه أصدر كتاب "خرافة الميتافيزيقا" عام 1953 في أوج حماسه العلمي، فلمّا راجع نفسه ووجد من جنوح مذهبه، وهدأ حماسه، أصدر كتاباً عام 1983 أشد تواضعاً وعنونه "موقف من الميتافيزيقا".

[4] زكي نجيب محمود، "قيم من التراث"، طبعة ثانية، دار الشروق، القاهرة، 1989، ص136.

[5] "مجموع فتاوى ابن تيمية"، ج4/ ص73. أو شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي، تحقيق أحمد محمد شاكر، نسخة إلكترونية.

[6] (جاء عن ابن واصل الحموي - وكان من فضلاء المتأخرين وأبرعهم في الفلسفة والكلام - قوله: [أستلقي على قفاي وأضع الملحفة على نصف وجهي ثم أذكر المقالات وحجج هؤلاء وهؤلاء واعتراض هؤلاء وهؤلاء حتى يطلع الفجر ولم يترجح عندي شيء]، وأنشد الخطابي: [حجج تهافت كالزجاج تخالها حقا وكلٌ كاسرٌ مكسور!]، وقال أبو حامد الغزالي: [أكثر الناس شكا عند الموت أهل الكلام.])(ابن تيمية، مجموع الفتاوى، 4/28)

[7] عنوان الكتاب الأصلي "Entstehung und Entwicklung einer wissenschaftlichen Tatsache" وصدر بمدينة بازل 1935.

[8] نقلاً عن (Stephen L. Goldman)، مرجع سابق.

[9] http://en.wikipedia.org/wiki/Albert_Lasker_Award_for_Basic_Medical_Research

[10] ونتذكر هنا أيضاً قول الأديب والناقد الفرنسي الشهير مارسيل بروست Marcel Proust (1871-1922) حين قال: "إن رحلة الاكتشاف الحقيقية، وينبوع الصبا الخالد، ليس في رؤية أراضي جديدة، ولكن في امتلاك عيون جديدة" The only true voyage of discovery, the only fountain of Eternal Youth, would be not to visit strange lands but to possess other eyes.

(Proust, Marcel, The Captive & The Fugitive: In Search of Lost Time, Translator: C K Scott Moncrieff, Modern Library Classics, 1929, Vol. V, p. 160.)

[11] مثال لذلك ما جاء في مجلة المسلم المعاصر – العدد 93/94 لعام 1999 ص. 206 على لسان د. علي جمعة مانصه: "تتحكم النظم السياسية والاقتصادية في إرادة الأشخاص بالطرق غير المباشرة باستخدام العلوم الحديثة. فمثلاً حصلت فضيحة كبرى أثناء حرب فيتنام، حيث استخدمت العلوم الطبية في توجيه الشعب الأمريكي لتأييد هذه الحرب، وذلك أن العين تبصر عشرين صورة في الثانية، يعني 1/20 من الثانية لكل صورة. فلو كانت الصورة أسرع من 1/20 لا تدركها العين، لكن يدركها المخ. فكانوا يكتبون: "أيدوا حرب فيتنام" في خلفيات ما يُبث عبر التليفزيون، فيؤيد الناس حرب فيتنام، دون أن يدرك الناس هذا التأثير، فحدث يوماً خلل فني أدّى إلى توقف الصورة، فظهر هذا الإعلان في الخلفية، مما أدى إلى فضيحة كبرى. (وقد وظفنا هذا المثال الواقعي كعلامة بارزة على التضليل الإعلامي باعتبار أن الإعلام بديلاً من عدة بدائل يلجأ إليها الناس والمتخصصون على السواء كمصدر معرفي، أنظر "مقدمة في أصول فقه العلوم الاجتماعية والإنسانية – دراسة تحليلية نقدية للأصول الغربية لعلوم الاجتماع والإنسانيات من منظور إسلامي"، عزالدين كزابر، دار الفكر العربي، القاهرة ، 2008 ، ص67، 92)

[12] يجب الانتباه إلى الفرق بين النسبوية relativism والنسبية relativity، ولو لم يوجد في الفكر الغربي تمييز بينهما – بعد ظهور النظرية النسبية لأينشتاين – لظل اللفظ "نسبية" هو الترجمة المباشرة والبسيطة للـ relativism، ولكننا اضطررنا للتكلف في الترجمة لعدم الخلط بين المفهومين. ويعود الإشكال إلى خطأ في تسمية نظرية أينشتاين، وقد حاول هو نفسه تلافيه، غير أن إسم "النظرية النسبية" قد شاع وخرج عن سيطرته.

[13] لا بد أن يذكرنا ذلك بموقف جورجياس Gorgias (483 ق.م. – 378 ق.م.)، وهو أحد السوفسطائيين الذي كان يسخر منهم أفلاطون، وكان يتبنَّى جورجياس موقفاً فكرياً يقول بأن التفكير الإنساني ليس حكماً عدلاً في حل المسائل والوصول إلى حقائق مطلقة، بل إنه دائم الخطأ في قراراته المنطقية بما يستعصي عليه من غموض واختلاف.

[14] لا يمثل هذا التحليل أي مفاجأة لنا إلى هذا الحد، فقد أورد ابن جني هذا الرأي في الخصائص، وأيده دون قطع لتشابك المسألة اللغوية والواقع الذي تعبر عنه. (الخصائص: 1/ 40-47)

[15] استعرضنا مدرسة "علم الاجتماع التأويلي" interpretive social science ومدى تأثرها بالهرمنيوتيقا وغيرها من حركات فكرية أخرى في الصفحات 457-487 من ("مقدمة في أصول فقه العلوم الاجتماعية والإنسانية،.." عزالدين كزابر، 2008، دار الفكر العربي، القاهرة)

[16] صحيح البخاري.

[17] بعد وصلنا إلى هذه النتيجة، وباستقلال تام، تذكرنا حديث الإسراء وما جاء في أوله، فمن صحيح البخاري نقرأ: [عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة رضي الله عنهما أن نبي الله صلى الله عليه وسلم حدثهم عن ليلة أُسري به: "بينما أنا في الحطيم وربما قال في الحجر مضطجعا إذ أتاني آت، فقد قال وسمعته يقول: فشق ما بين هذه إلى هذه"، فقلت للجارود وهو إلى جنبي: ما يعني به؟ قال: من ثغرة نحره إلى شعرته، وسمعته يقول من قصه إلى شعرته، "فاستخرج قلبي ثم أتيت بطست من ذهب مملوءة إيمانا فغسل قلبي ثم حشي ثم أعيد ثم أتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض" فقال له الجارود :هو البراق ....]

وفي صحيح مسلم جاء الحديث على هذا النحو [عن مالك بن صعصعة رجل من قومه قال قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: "بينا أنا عند البيت بين النائم واليقظان إذ سمعت قائلا يقول أحد الثلاثة بين الرجلين فأتيت فانطلق بي فأتيت بطست من ذهب فيها من ماء زمزم فشرح صدري إلى كذا وكذا" قال قتادة: فقلت للذي معي: ما يعني؟ قال: إلى أسفل بطنه "فاستخرج قلبي فغسل بماء زمزم ثم أعيد مكانه ثم حشي إيمانا وحكمة ثم أتيت بدابة أبيض يقال له البراق" ...]

هل يعني هذا الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد عاد أمياً على النحو الذي ولدته عليه أمه على المعنى الحرفي؟ أي الحقيقي المادي (نقصد غسل قلبه مما علق به من أي آثار معرفية تعلقت به)؟ فضلاً عن أن يكون أميّاً على النحو الذي لم يتلق فيه علماً بشرياً مما صنعه غيره أو من صناعته هو، كما قال تعالى "وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ..."(العنكبوت: 48)

[18] أنظر: مصطفى حلمي، "إسلام جارودي"، دار الدعوة، الإسكندرية، 1996، ص45 وما بعدها.

[19] السابق، ص61 وما بعدها.

[20] تفسير ابن أبي حاتم (2/349) ورواه الطبري في تفسيره (6/522) وهو مرسل.

[21] نقلاً عن تفسير ابن كثير.

[22] طبقاً لقصيدة ترتيب النزول المسماة "تقريب المامول في ترتيب النزول للجعبري".

[23] رواه الترمذي عن عائشة رضي الله تعالى عنها، وصححه الألباني.

 

[ 25/2/1431هـ    08/02/2010 م    ]  |  [ قراءة : 1505 مرة ]

إضافة تعليق للمقال

 

نسخة ملائمة للطباعة

  إظهار تعليقات هذا المقال

 

أرسل المقال لصديق

 

 

 
 

 

 
 

 

 

دراسات قرآنية دراسات حديثة | الفقه والأصول | التراث السياسي | عــلم الكـلام | تاريخ الفكر السياسي | حقوق الإنسان | الدين والدولة | الاسلام السياسي فلسفة التجديد قضايا التجديد | مدارس الإصلاح والنهضة |المرأة | الفلسفة والمعرفة | إصلاح التعليم | الإسلام والغرب | مراجعات وعروض | حــوارات | مؤتمرات | سجل الزوار | تواصل معنا | مواقع | البحث | اجعلنا صفحتك الأولى 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع الملتقى الفكري للإبداع © 2007 - 2008
.::  Hosting and designing By TWTwebstar & zoomsite.com ::.