البحر المسجور في منظور الإعجاز العلميّ في القرآن الكريم


  عطية زاهدة
    

البحر المسجور في منظور الإعجاز العلميّ في القرآن الكريم
 

قال اللهُ تعالى في سورة الطور: "بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ. والطورِ(1) وكتابٍ مسطورٍ(2) في رَقٍّ منشورٍ(3) والبيتِ المعمورِ(4) والسقفِ المرفوعِ(5) والبحرِ المسجورِ(6) إنَّ عذابَ ربِّكَ لَواقعٌ(7) ما لهُ مِنْ دافعٍ(8) يوْمَ تمورُ السماءُ موْراً(9) وتسيرُ الجبالُ سيْراً(10)"

المقدمة

جعلَ اللهُ تعالى الأرضَ برّاً يابساً وبحراً مائعاً، وقد امتنَّ سبحانه على الناس أن خلق لهم البحر ليركبوه، وليستخرجوا منه لحماً طريّاً وزينةً.

والبحر نظامٌ بيئيّ معقّد، بل هو عالم جيولوجيّ بيولوجيّ فيزيائيّ كيماويّ ثريٌّ بالعجائب. وما من ريْبٍ أن البحر الميّت إن لم يكن أعجوبةَ البحارِ، فإنه من أعجبِها. وقد أقسم اللهُ تعالى بالبحرِ مرةً واحدةً، وذلك في قوله تعالى: "والبحرِ المسجورِ"، وهو موضوع هذا البحث.

إشكاليّة البحث

درج المهتمون بتفسير القرآن الكريم، وبخاصة بالإعجاز العلمي في آياته، على التعامل مع قول الله تعالى: "والبحرِ المسجورِ"، أولاً، بأخذ "البحر" فيه على أنه اسمُ جنسٍ؛ وثانياً، بأخذ المسجور بمعنى: الموقََدِ، أو الذي يجري تسخينه وإحماؤه، مستشهدين بما تمَّ استكشافه في القرن العشرين من ثوران البراكين في القيعان العميقة للمحيطات وبعض البحار، ودفعها بالحممِ والصهارات في المياه القاعيّةِ من خلال الصدوع كالتي في حُيود منتصف المحيطات، وبخاصة المحيط الأطلسيّ. وقد قادهم هذا التعامل إلى اعتبار أن القسَمَ: "والبحرِ المسجورِ" يتعلق بما هو جارٍ من ولوج حممِ وصُهاراتِ تلك البراكينِ في مياه قُعورِ البحار والمحيطات، ومحاولتها أن تسخِّنَها، وليس بما سيصير إليه حال البحار من التسجير كشرط من أشراط الساعة كما في الآية الكريمةِ "وإذا البحارُ سُجِّرَتْ" (التكوير:6). ولقد ذهب هؤلاء إلى تأييد رأيهم بما رواه الدارميُّ والبيهقيُّ وآخرونَ عن الرسول، عليه السلام، في أنَّ تحتَ البحرِ ناراً[1]. وذهبَ البعض إلى الإشارة إلى وجود مخزوناتٍ بتروليّةٍ ضخمةٍ تحت المياه البحريّةِ تبريراً لاعتبارِهم أن البحر المسجور هو المليء بالوقود، في حين ذهب فريق آخر إلى الحديث عن مخزونات هيدرات الميثان methane hydrate الموجود في القيعان البحريّة، والذي يصفونه بالثلج المشتعل؛ وذلك أيضاً تبريراً لاعتبارِهم أن البحر المسجور هو المليء بالوقود[2].

وأمَّا هذا البحثُ فيذهبُ إلى اعتبار أن البحرَ المسجورَ هو أحد البحار، أيْ هو بحرٌ بعينِهِ، بحرٌ مخصوصٌ، وأنه ممكن التحديدِ، وأن سجْرَ سائرِ البحار، أو تسجيرَها، هو الذي سيكونُ من أشراط الساعة، وأنه سيكون شاملاً، وأنه سيكون ابتداءً. وقد جاء في قراءة "سُجِّرَتْ" التي هي بتشديد الجيم - جاء قراءة أخرى هي: "سُجِرَتْ"، أي بتخفيف الجيم نفسها.

أيُّ البحارِ هو المسجورُ؟

إنَّ اعتبار أن البحر المسجور هو بحرٌ بعينه يذهبُ بنا إلى ضرورة تحديد ذلك البحر انطلاقاً من الاعتماد على معاني السجر في المعاجم، ومن الاسترشاد بما قاله ثقات المفسرين في الآية الكريمة، بحيث نصلُ إلى أن السجرَ القائمَ في هذا البحر قد ذُكرَ كحالةٍ خاصّةٍ حادثةٍ في واقع الكرة الأرضيّةِ قبل يوم القيامة، وأن مثلَه سيحدث لبقيّة البحار كحالةٍ عامّةٍ مشكلةً شرطاً من أشراط الساعة. فأيُّ معاني السجر يجعلنا ندخل من الحالة العامّة إلى تحديد الحالة الخاصّة؟ أيْ أيُّ معاني السجر مما يكون من أشراط الساعةِ، سيكون دليلاً لنا لتعيين ذلك البحر المسجور، وتحديد أيِّ بحرٍ هو؟

للإجابة لا بدَّ من معرفة السياق الذي جاء فيه قول الله تعالى: "وإذا البحارُ سُجِّرتْ". فبالعودة إلى سورة التكوير نجد أن السياق هو تعديدُ مظاهرَ من أشراط الساعة؛ مظاهرَ كونيّةٍ: "إذا الشمسُ كُوِّرتْ. وإذا النجومُ انكدرتْ"؛ ومظاهرَ أرضيّةٍ: "وإذا الجبالُ سُيِّرتْ. وإذا العِشارُ عُطّلتْ. وإذا الوحوشُ حُشِرتْ. وإذا البحارُ سُجِّرتْ". ولا ريْبَ أن المظهرَ الشموليَّ الأرضيَّ المندرجَ في أشراط الساعةِ هو أن تصبحَ الأرضُ، كلُّ الأرضِ، صعيداً جُرُزاً، صعيداً ميتاً خالياً من الأحياء، أي إن جميع الكائنات الحيّة في الكرة الأرضيّةِ تصبح ميتةً، وليس التي في البرِّ وحدها: "إنَّا جعلنا ما على الأرضِ زينةً لها لنبلوَهم أيُّهم أحسنُ عملاً. وإنَّا لجاعلونَ ما عليْها صعيداً جُرُزاً" (الكهف: 7-8). والأرضُ الجرُزُ هي الميّتةُ: "أوَلمْ يروْا أنّا نسوقُ الماءَ إلى الأرضِ الجُرُزِ فنخرجُ بهِ زرعاً تأكلُ منهُ أنعامُهم وأنفُسُهم أفلا يبصرونَ" (السجدة: 27). والأرضُ برٌّ وبحرٌ. وأرى أن قول الله تعالى: "وإذا العِشارُ عُطّلتْ. وإذا الوحوشُ حُشِرتْ" هو في النهاية تعبيرٌ أو كنايةٌ عن جَرْزِ البرِّ، عن موت كلِّ ما في البرّ من كائنات حيّةٍ؛ ففي لسان العرب لابن منظور أن حشرَ الوحوشِ هو موتُها[3]، وأيضاً نسب القرطبيُّ إلى ابن عباسٍ أنَّ حشرَ الوحوشِ هو موتُها[4]. وفوقَ هذا، فإن تعطيل العشار، باعتبار أنّها، أولاً، ذواتُ الحملِ من الأنعام، مأخوذاً بالحدِّ الأقصى لدلالة التعطيل، هو موتُها؛ وباعتبارِ أنَّها السحابُ، ثانياً، فإن تعطيلها يعني انحباس الأمطار، وهو ما يؤدّي إلى موتِ الخلائق، وبخاصةٍ في البرِّ؛ وباعتبار أنَّها قِطَع الأرضِ التي تُزرع، ثالثاً، فإن تعطيلَها هو موتُ مزروعاتِها وهلاكُ نباتِها؛ وباعتبار أنَّها الديارُ المسكونةُ، رابعاً، فإنَّ تعطيلَها هو أيضاً موتُ ساكنيها وديّاريها[5]. وما دامَ السياقُ هو في موتِ الكائنات الحيّةِ في البرِّ، فقد ناسبَ ذلكَ أن يكتملَ الحديثُ عن موتِ الكائنات الحيّةِ في بقيَةِ الأرضِ، أيْ في البحار. وعلى هذا، فإنَّ "وإذا البحارُ سُجِّرتْ" هو تعبير عن جَرْزِ البحر، هو كناية عن أن البحارَ كلَّها تكون أيضاً قد أصبحت ميتةً، أصبحت بحراً جُرُزاً ماتَ كلُّ ما فيه. ومن هنا، ولأجل تحديد أيِّ البحار هو البحر المسجور، فإن "حجر الأساس" في هذا التحديد سيكون معرفةَ أيِّ البحار واقعيّاً هو ذلك البحر المعهود منذ القدمِ بالتميّزِ بخلوِّه من الكائنات الحيّة، أي إنه بحرٌ ميّتٌ، بحرٌ جُرُزٌ. أوليسَ "البحرُ الميّت"[6] The Dead Sea هو البحرَ الوحيدَ الخاليَ من الكائنات الحيّةِ بمفهومِها غير المجهريِّ macroscopic؟

وباختصار، هناك احتمالان لما هو مقصود من البحر في قول الله تعالى "والبحرِ المسجورِ": فإمّا أنه اسم جنس، وإمّا أنه بحر بعينه. واعتبار أنه بحر بعينه يعني أنه لا بدَّ من التعامل مع ثلاثة أمور:

1- إيجاد أدلة على ترجيح أن المقصود من البحر في "والبحرِ المسجورِ" هو بحرٌ معيّنٌ، لا أنه اسم جنس يشمل عموم البحار.

2- محاولة تحديد أيِّ بحار الكرة الأرضيّة هو ذلك البحر المقصود بعينه.

3- إيجاد أدلةٍ تثبت أن البحر المختار في محاولة التحديد هو المقصود دون سائر البحار.

إلى هنا نكون، أولاً، قد توصلنا من السياق الذي ورد فيه القسم:"والبحرِ المسجورِ" إلى أن المقصود من البحر هو بحر مخصوص، وثانياً، قد توصلنا أيضاً من السياق الذي وردت فيه الآية: "وإذا البحار سُجّرتْ" إلى أنه بحر ميت. واعتماداً على هذيْن الاستنتاجيْنِ فإن البحر المسجور هو البحر الميت؛ إذ إنه هو البحر الوحيد في العالم، الذي يخلو خلوّاً كاملاً شاملاً من أيِّ كائناتٍ حيّةٍ منظورةٍ.

البحر المسجور هو بحر بعينه


لا رَيْبَ أنَّ السياق والقرائنَ في سورة الطور تؤيد أنَّ البحرَ المسجورَ، هوَ بحرٌ واحدٌ بحدِّ ذاتِهِ، فالطورُ المُقْسَمُ بهِ، هوَ طورٌ معيّنٌ، وليسَ كلَّ ما يقالُ لهُ: "طور"، والبيت المعمور، هوَ بيتٌ معيَّنٌ مسمّىً، وليسَ كلَّ بيتٍ معمورٍ، وحتّى الكتاب في قوله تعالى: "وكتابٍ مسطورٍ. في رَقٍّ منشورٍ" هو كتابٌ مخصوصٌ، ما جاء التنكير إلا تشريفاً له[7]. وهكذا هو حقُّ البحر المسجور؛ إذ هو مذكورٌ في السياق نفسِهِ. واقتران البحر بالوصف، وهو أنه مسجور، أجازَ وسمح لنا أن نعتبرَه بحراً معيّناً قائماً في الأرضِ، لا أنه اسم جنس شاملٌ لكل البحار كما في قول الله تعالى:"ولوْ أنّما في الأرض من شجرةٍ أقلامٌ والبحرُ يَمُدُّهُ من بعدِهِ سبعةُ أبحُرٍ ما نفِدَتْ كلماتُ اللهِ إنَّ اللهَ عزيزٌ حكيمٌ" (لقمان:27)، أي إن ذلك البحر المسجور ليس عموم البحار، وإنما هو بحرٌ مخصوصٌ مسجور قبل يوم القيامة. فقول الله تعالى: "والبحرِ المسجورِ" هو قسم ببحرٍ مسجورٍ، بحرٍ موجودٍ في الدنيا على حالٍ من السجر، وليس إخباراً عن حالٍ ستؤول إليها البحار عموماً كواحدٍ من أشراط الساعةِ، أي هو قسمٌ ببحرٍ موجودٍ يستأهل أن يوصفَ بالمسجورِ، وليس قسماً بالبحارِ عموماً موصوفةً بالحال التي ستكون عليها إذا أزفتِ الآزفةُ، وفُجّرتْ تفجيراً. والقرينةُ المشيرةُ إلى أن القسم في "والبحرِ المسجورِ" هو قسم ببحرٍ مخصوصٍ مسجورٍ قبل يوم القيامة، هي مجيء قول الله تعالى: "إن عذابَ ربِّكَ لواقعٌ. ما لهُ مِنْ دافعٍ" مجيئاً تالياً مباشرةً لهذا القسَمِ؛ إذْ إنَّ الآيتيْنِ: "يومَ تمورُ السماءُ موْراً. وتسيرُ الجبالُ سيْراً" هما، بكلِّ تأكيدٍ، عن يوم القيامة.

واسمُ الجنسِ إذا ذكرَ مطلقاً فقد يكون شاملاً لكلِّ الأفرادِ، وأمِّا إذا وُصفَ فالأوْلى أنَّهُ قد خُصِّصَ؛ فالوصفُ للبحرِ بالمسجورِ هوَ في الغالبِ تخصيصٌ، وبالتخصيصِ صرفٌ عنِ الإطلاقِ، صرفٌ عن إرادة جنسِ الشيء الموصوف.

وقال المفسرون: إنه ما من شيءٍ أقسمَ الله تعالى به إلّا وذلك دلالةٌ على فضلِه على ما يدخل في عدادِهِ[8]. وتطبيقاً لهذا القول على القسم في "والبحرِ المسجورِ"، فإن البحر المسجور هو بحر مخصوص له فضل على سائر البحار؛ إذ هي التي تدخل في عدادِهِ، وعدادُ الشيء هو أفراد جنسِهِ أو نظراؤه. وعلى هذا، فلا يكون جنس البحار هو المقصودَ من البحر في "والبحرِ المسجورِ"، وبالتالي، فإن هناك ضرورة للمحاولة، بل إن هناكَ وجوباً للسعي لتعيين أيِّ البحار هو ذلك البحر المسجور. ومن المعروف من أساليب العربِ أنهم لا يختصّون شيئاً من بين نظرائه، أو مما يدخل في عداده، بوصفٍ من الأوصاف إلّا إذا كان يتفرد بالاتصاف به، أو يتميّز باستحقاقِهِ للحدِّ الطرفيِّ منه، أي إذا كان قد سجل أو ضرب "الرقمَ القياسيَّ" في استحقاقه له، وعلى سبيل المثال، لو وصفنا جنديّاً في كتيبةٍ بأنه "الجنديُّ الشجاعُ" فهذا معناه أنه أشجع جنديٍّ في عداد جنودِ تلك الكتيبةِ، وليس بالضرورةِ أنه لا يوجد فيها شجاع غيره، مع أن ذلك محتملٌ أيضاً.

وهناك أقوال في التفاسير، في شروحها لسورة الطور، تدعم الذهاب إلى أن الله تعالى أقسم بالبحر المسجور إقساماً خاصاً، أي أن البحر المسجور هو بحر بعينه لا أنه عموم البحار:

1) قال ابن عاشور في "التحرير والتنوير": "المراد بحر القلزم، وهو البحر الأحمر ومناسبة القَسَم به أنه به أُهلك فرعون وقومه حين دخله موسى وبنو إسرائيل فلحق بهم فرعون".

2) وأورد ابن كثير في تفسيره أن الربيع بن أنس قال‏:‏ "البحر المسجور هو الماء الذي تحت العرش الذي يُنزل الله منه المطر الذي تحيا به الأجساد في قبورها يوم معادها‏".

وقال ابن الجوزيّ في كتاب "زاد المسير في علم التفسير": "قوله تعالى: {والبحرِ المسجورِ} فيه قولان. أحدهما: أنه بحر تحت العرش ماؤه غليظ يُمْطَر العباد منه بعد النفخة الأولى أربعين صباحاً فينبتون في قبورهم، قاله عليّ رضي الله عنه".

3) وجاء في "التفسير الكبير"، تفسيرِ الفخر الرازيّ:

"ما الحكمة في اختيار هذه الأشياءِ (الطور، والبيت المعمور، والبحر المسجور)؟ نقول هي تحتمل وجوهاً: أحدها: إن الأماكن الثلاثة وهي: الطور، والبيت المعمور، والبحر المسجور، أماكن كانت لثلاثة أنبياء ينفردون فيها للخلوة بربهم والخلاص من الخلق والخطاب مع الله، أما الطور فانتقل إليه موسى عليه السلام، والبيت المعمور محمد صلى الله عليه وسلم، والبحر المسجور يونس عليه السلام".

4) وجاء في تفسير ابن كثير: "وقال العلاء بن بدر: إنما سمّي البحر المسجور لأنه لا يُشرب منه ماء ولا يُسقى به زرع، وكذلك البحار يوم القيامة".

5) أقوال رأت أن البحر المسجور ليس بحراً على الحقيقة. وقد جاءت تك الأقوال غريبةً، أو حتّى مغرقة في الغرابة، بل وفي التخيلات.

أ‌- قال الألوسيّ في "روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني": "وأخرج أبو الشيخ عن الربيع أنه الملأ الأعلى الذي تحت العرش وكأنه أراد به الفضاء الواسع المملوء ملائكة".

ب‌- وأورد الألوسي في "روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني" أيضاَ: قال منبه بن مسعود: "وجهنم سميت بحراً لسعتِها وتموُّجِها". وفي "المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز " لابن عطية: "قال منذر بن سعيد: إن المعنى هو القسم بجهنم وسمّاها بحراً لسعتها وتموُّجِها.

ت‌- وذهب الصوفيّون إلى تفسير البحر المسجور بما هو عجيب؛ إذ إن "ابن عربي"، مثلاً، قد اعتبر في تفسيره أن البحر المسجور هو: "الهيولى المملوءة بالصور والتي يظهر عليها كل ما أثبت في اللوح المحفوظ "، وكذلك هو عنده:"مادة البدن المملوءة بالصور".

ث‌- وذهب الجنابذيّ في تفسيره "بيان السعادة في مقامات العبادة" إلى أن البحر المسجور هو بحرالهيولى الذي يوقد من نار الشهوات والغضبات والحيل الشيطانيّة.

ج‌- وذهب البقليُّ في "عرائس البيان في حقائق القرآن" إلى أن البحر المسجور هو بحر سرِّ محمدّ، عليه السلام، المملوء علوماً قدميّةً وأسراراً باقيةً.

ح‌- ورأى إسماعيل حقّي في "روح البيان في تفسير القرآن" أن البحر المسجور هو البحر المحيط الأعظم الذى منه مادة جميع البحار المتصلة والمنقطعة وهو بحر لا يُعرف له ساحل، ولا يعلم عمقه إلا الله تعالى، والبحار التى على وجه الارض خلجان منه، وفيه مدائن تطفو على وجه الماء وهى آهلة من الجن فى مقابلة الربع الخراب من الأرض وفيه قصور تظهر على وجه الماء طافية ثم تغيب وتظهر فيه الصور العجيبة والأشكال الغريبة ثم تغيب فى الماء وفى هذا البحر ينبت شجر المرجان كسائر الأشجار فى الأرض وفيه من الجزائر المسكونة والخالية ما لا يعلمه إلا الله تعالى.

خ‌- واعتبر الشيخ طنطاوي جوهري صاحب "الجواهر في تفسير القرآن الكريم" أن البحر المسجور هو كرة ناريّة تشكل باطن الأرض[9]. وقال أيضاً: "ولا جَرَمَ أن هذا البحر هو باطن الأرض. ونحن الآن نسكن فوق نار عظيمة، أي فوق بحر مملوء ناراً، وهذا البحر مغطّىً من جميع جهاته بالقشرة الأرضيّة المحكمة سدّاً عليه. ومن وقت إلى وقت يتصاعد من ذلك البحر نارٌ تظهر في البراكين.."[10].

المسجور في المعاجم

جُلُّ ما جاء عن المسجور في المعاجم:

(أولاً) في لسان العرب لابن منظور[11] (ببعض التصرف للترتيب).

إن ما جاء في "لسان العرب" يشكل العمود الفقاري لما سنعتمد عليه في معاني السجر ومشتقاته.

الفعل "سجرَ":

1- سجَرَ الإناءَ يسجرُه سجْراً وسُجوراً وسجّره: ملأه، وسجرتُ النهرَ: ملأتُه (جاء الفعل متعدّياً).

وسجَرَ يسجُرُ وانسجرَ: امتلأ (جاء الفعلُ لازماً).

2- وسجرتُ الماءَ: صببتُه.

3- وسجرتُ التنورَ: أوقدتُه، وأحميتُه؛ أو أشبعتُه وقوداً.

4- سجرتِ الناقةُ تسجُرُ سجوراً وسجَْراً: طربت في إثْرِ ولدها ومدّت حنينها.

5- سجرَ الكلبَ أو سجر الرجلَ: وضع الساجورَ في عنقه.

6- سجر فلانٌ فلاناً أو ساجره: اتخذه سجيراً، أي جعله له صديقاً أو خليلاً وصفيّاً. وجمعُ السجير هو السُجَراء.

7- سجرَ الشَّعرَ: أرسله.

وأمّا في تفسير قول الله تعالى: "وإذا البحار سُجِّرتْ" فقد أورد ابن منظور:

أ‌- قال ثعلب: مُلئت.

ب‌- قال ابن سيدَه: لا وجه لتفسيره بالملء إلا أن تكون ملئت ناراً.

ت‌- قال عليّ بن أبي طالب: سُجِّرت أي أفضى بعضها إلى بعض.

ث‌- وقالَ الربيع: سُجِّرت أي فاضت.

ج‌- وقال قتادة: سُجّرت أي ذهبَ ماؤها.

ح‌- وقال الزجّاج: سُجِّرت – بتشديد الجيم- أي فُجِّرت؛ وسُجِِرت – بتخفيف الجيم - أي ملئت.

خ‌- وقيل: صارت نار جهنم.

وفي معاني المسجور وهو اسمُ المفعول من سجر:

المسجور: المملوء.

المسجور: المفجور.

المسجور: الموقَدُ.

المسجور: الساكنُ.

المسجور: الساكنُ والممتلئُ معاً.

المسجور الذي في عنقه ساجور، وهو أيضاً المُسوْجَرُ، أي المقيَّدُ المغلول.

اللبن المسجور: اللبن الذي ماؤه أكثر من حليبه.

شعرٌ مسجور ومنسجر ومسجَّر أي مسترسل أو مرسل.

اللؤلؤ المسجور: المنظوم.

اللؤلؤة المسجورة هي كثيرة الماء.

البئرُ السَّجْرُ أي المسجورُ.

المسجَّرُ: غائض الماء.

المسجور: الذي ذهب ماؤه، أي الذي تنشّفَ وتيبّسَ.

وتأتي المسجور في بعض استعمالاتها من الأضداد، فهو المملوء أو هو الفارغ؛ وهو المنظوم أو هو المنثور.

الأسْجَرُ ومؤنثه السجراء:

أ‌- الأسجر الغدير الحرُّ الطين.

ب‌- الأسجر الغدير الذي يضرب ماؤه إلى الحمرة.

ت‌- ويقالُ للأسد الأسجر؛ لأن لونه أو لون عينيه يضرب إلى الحمرة.

الساجرُ: هي على صيغة الفاعل، أي على النسب، ولكنها قد تأتي بمعنى المفعول، أي هو الموضع المملوء من السيل.

المُسجَّرُ: الذي غاض ماؤه.

السُّجْرةُ: الموضع الذي يملؤه المطر. وجمعُ سُجْرةٍ: سُجَرٌ.

الساجر: السيلُ الذي يملأ كل شيء يمرُّ به.

السجْرُ: الإيقاد في التنور وإحماؤه.

السَّجورُ: ما أوقد به.

المِسجرة ما سيط وحرك به السَّجور لتسعيره.

الساجور: القلادة أو الخشبة أو الغُّلُّ.

المُسجئرُّ: الصلب.

السجْوَريُّ: الأحمق الخفيف.

والسَّجَرُ أو السُّجْرةُ هو خلطة في لون العينِ، أو كدرةٌ فيها، والعين السجراءُ هي بيّنةُ السجَرِ. والرجل الأسجر هو ذو العينينِ السجراويْنِ. وجاء في السَّجَرِ:

أ‌- مخالطة الحُمرة للبياض؛ حمرةٌ في بياض.

ب‌- مخالطة الحمرة للزرقة؛ حمرةٌ في زرقة.

ت‌- مخالطة الحمرة للسواد، أو أن يُشربَ سوادُ العينِ حمرةً.

ث‌- البياض الخفيف في سواد العين.

ج‌- الكُدرة في باطن العين.

(ثانياً) وفي "المحكم والمحيط الأعظم في اللغة" لابن سيدَه[12]:

باستعراض ما جاء فيه فإنه من الممكن أن نقول: يكاد يكون نسخةً مماثلةً لما جاء به ابن منظور.

(ثالثاً) في "الصحاح":

كلُّ ما أورده إسماعيل بن حماد الجوهريّ صاحب "الصحاح" في سجر ومشتقاتها، هو من جملةِ ما قدمه صاحب "معجم لسان العرب".

(رابعاً) في "القاموس المحيط" للفيروزآباديّ:

كلُّ ما أورده محمد بن يعقوب الفيروزآباديّ في "القاموس المحيط" في سجر ومشتقاتها، هو أيضاَ من جملةِ ما قدمه صاحب "معجم لسان العرب".

(خامساًً) في "معجم مقاييس اللغة" لابن فارس[13]:

سجر، السين والجيم والراء أصولٌ ثلاثة: الملء، والمخالطةُ، والإيقاد.

فأما الملءُ(الأصل الأول) فمنه البحر المسجور أي المملوء. ومنه الشعر المنسجر وهو المسترسل الوافر الذي يملأ الرأس من كثرته. ويقالُ للموضع الذي يأتي عليه السيلُ فيملؤه: ساجر. وأمَّا المخالطةُ (الأصل الثاني) فمنه السجير وهو الصاحب والخليط؛ ومنه العين السجراء التي خالطَ بياضَها حمرةٌ. وأمَّا الإيقاد (الأصل الثالث) فمنه قولهم: سجرتُ التنورَ إذا أوقدته. والسَّجورُ ما يسجرُ به التنور، وهو أيضاً السِّجار. ومما يقارب هذا قولهم: استجرتِ الإبلُ على نجائها، إذا جدّت، كأنها تتقد في سيرها اتقاداً.

المسجور في التفاسير

أجلُّ ما جاء عن البحر المسجور في تفسير سورة الطور:

(1) من تفسير "الجامع لأحكام القرآن" للإمام القرطبيّ.

{وَٱلْبَحْرِ ٱلْمَسْجُورِ} قال مجاهد: الموقَد؛ وقد جاء في الخبر: «إن البحر يُسجَر يوم القيامة فيكون ناراً». وقال قتادة: المملوء. فيجوز أن يكون المملوء ناراً فيكون كالقول المتقدّم. وكذا قال الضحاك والأخفش بأنه الموقد المحمّى بمنزلة التَّنُّور المسجور. ومنه قيل للمِسْعَر مِسْجَر؛ ودليل هذا التأويل قوله تعالى: {وَإِذَا ٱلْبِحَارُ سُجِّرَتْ} [التكوير: 6] أي أوقدت؛ سَجَرتُ التَّنُّور أسجرُه سجراً أي أحميتُه. وقال ٱبن عباس: المسجور الفارغ الذي ذهب ماؤه. وقيل: المسجور أي المفجور. وقال الربيع بن أنس: المسجور المختلط العذب بالملح.

وروى عليّ ٱبن أبي طلحة عن ٱبن عباس قال: المسجور المحبوس.

(2) من تفسير "المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز" لابن عطية.

واختلف الناس في معنى: {المسجور} فقال مجاهد معناه: الموقد ناراً. وروي أن البحر هو جهنم. ومنه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم " أن البحر طبق جهنم ". قال الثعلبي: وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا يركبن البحر إلا حاج أو معتمر أو مجاهد فإن تحت البحر ناراً ".

وفي حديث آخر: " فإن البحر نار في نار ". وقال قتادة: {المسجور} المملوء. وهذا معروف في اللغة. ورجحه الطبري بوجود نار البحر كذلك، وإلى هذا يعود القول الأول لأن قولهم: سجرت التنور معناه: ملأتها بما يحترق ويتقد، و{البحر المسجور} المملوء ماء، وهكذا هو معرض العبرة. وقال ابن عباس: هو الذي ذهب ماؤه، فـ {المسجور}: الفارغ، ويروى أن البحار يذهب ماؤها يوم القيامة، وقيل: يوقد البحر ناراً يوم القيامة فذلك هو سجره. وقال ابن عباس أيضاً: {المسجور}: المحبوس، ومنه ساجور الكلب: وهو القلادة من عود أو حديد التي تمسكه، وكذلك لولا أن البحر يُمسَك لفاض على الأرض. وقال عليّ بن أبي طالب أيضاً وعبد الله بن عمر رضي الله عنهما: البحر المقسم به هو في السماء تحت العرش. والجمهور على أنه بحر الدنيا، ويؤيد ذلك قوله تعالى: {وإذا البحارُ سُجِّرتْ} [التكوير: 6]. وقال منذر بن سعيد: إن المعنى هو القسم بجهنم وسمّاها بحراً لسعتها وتموُّجِها. والقسم واقع على قوله: {إن عذابَ ربِّكَ لواقعٌ} ويريد عذاب الآخرة للكفار.

(3) من تفسير "جامع البيان عن تأويل آيِ القرآن" للإمام محمد بن جرير الطبريّ.

البحر المسجور: البحر الموقَدُ المُحمّى. البحر المسجور: المملوء. البحر المسجور: الذي قد ذهب ماؤه. البحر المسجور: المحبوس. وأوْلى الأقوال في ذلك عندي بالصواب هو قول من قال: معناه: والبحر المملوء المجموع ماؤه بعضه في بعض، وذلك أن الأغلب من معاني السجر: الإيقاد، أو الامتلاء. فإذا كان ذلك الأغلب من معاني السَّجْر، وكان البحر غيرَ مُوقَدٍ اليومَ، وكان الله تعالى قد وصفه بأنه مسجور، فبطل عنه إحدى الصفتين، وهو الإيقاد، وصحّت الصفة الأخرى التي هي له اليوم، وهو الامتلاء، لأنه كلّ وقت ممتلىء.

(4) من "تفسير زاد المسير في علم التفسير" لابن الجوزيّ.

قوله تعالى: {والبحرِ} فيه قولان. أحدهما: أنه بحر تحت العرش ماؤه غليظ يُمْطَر العباد منه بعد النفخة الأولى أربعين صباحاً فينبتُون في قبورهم، قاله عليّ رضي الله عنه. والثاني: أنه بحر الأرض، ذكره الماورديُّ. وفي {المسجور} أربعة أقوال. أحدها: المملوء، قاله جميع اللغويّين. والثاني: أنه المُوقد، قاله مجاهد. والثالث: أنه اليابس الذي قد ذهب ماؤه ونضب، قاله أبو العالية. وقد نقل في الحديث أن الله تعالى يجعل البحار كلَّها ناراً، فتزاد في نار جهنم. والرابع: أن {المسجور} المختلط عذْبه بمِلحه، قاله الربيع بن أنس.

(5) في "تفسير القرآن العظيم" لابن كثير: "وقال العلاء بن بدر: إنما سمي البحر المسجور لأنه لا يُشرب منه ماء ولا يُسقى به زرع، وكذلك البحار يوم القيامة". وعن سعيد بن جبير: {وَٱلْبَحْرِ ٱلْمَسْجُورِ} يعني المرسَل، وقال قتادة: المسجور المملوء، واختاره ابن جرير، وقيل: المراد بالمسجور الممنوع المكفوف عن الأرض لئلا يغمرها فيغرق أهلها، قاله ابن عباس وبه يقول السدي وغيره.

(6) من "روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني" للألوسي.

{وَٱلْبَحْرِ ٱلْمَسْجُورِ} أي الموقد ناراً. وبذلك قال مجاهد والضحاك والأخفش، وقال قتادة: المسجور المملوء يقال: سجره أي ملأه، والمراد به عند جمع البحر المحيط، وقيل: بحر في السماء تحت العرش، وأخرج ذلك ابن أبـي حاتم وغيره عن علي كرم الله تعالى وجهه وابن جرير عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما وفي «البحر» إنهما قالا: فيه ماء غليظ، ويقال له: بحر الحياة يمطر العباد منه بعد النفخة الأولى أربعين صباحاً فينبتون في قبورهم. وعن ابن عباس {ٱلْمَسْجُور} الذي ذهب ماؤه. وفي رواية عنه أنه فسره بالمحبوس، ومنه ساجور الكلب وهي القلادة التي تمسكه وكأنه عنى المحبوس من أن يفيض فيغرق جميع الأرض، أو يغيض فتبقى الأرض خالية منه.

وقيل: {ٱلْمَسْجُورِ} المختلط، وهو نحو قولهم للخليل المخالط: سجير، وجعله الراغبُ من سجرت التنور لأنه سجير في مودّة صاحبه. والمراد بهذا الاختلاط تلاقي البحار بمياهها واختلاط بعضها ببعض، وعن الربيع اختلاط عذبها بملحها، وقيل: اختلاطها بحيوانات الماء، وقيل: المفجور أخذاً من قوله تعالى: {وَإِذَا ٱلْبِحَارُ فُجّرَتْ}. [الانفطار: 3] ويحتمله ما أخرجه ابن المنذر عن ابن عباس من تفسيره بالمرسل، وإذا اعتبر هذا مع ما تقدم عنه آنفاً من تفسيره بالمحبوس يكون من الأضداد أيضاً، وقال منبه بن سعيد: هو جهنم سمّيت بحراً لسعتها وتموُّجها.

والجمهور على أن المراد به بحر الدنيا ـ وبه أقول ـ وبأن المسجور بمعنى الموقد.

(7) في تفسير "التحرير والتنوير" لابن عاشور.

والبحر يجوز أن يراد به البحر المحيط بالكرة الأرضيّة. وعندي: أن المراد بحر القلزم، وهو البحر الأحمر ومناسبة القَسَم به أنه به أُهلك فرعون وقومه حين دخله موسى وبنو إسرائيل فلحق بهم فرعون. والظاهر عندي: أن وصفه بالمسجور للإِيماء إلى الحالة التي كان بها هلاك فرعون بعد أن فَرق الله البحر لموسى وبني إسرائيل ثم أسجره، أي أفاضه على فرعون وملئه.

و{المَسجور}: قيل المملوءُ، مشتقاً من السَّجر، وهم الملء والإِمداد. فهو صفة كاشفة قصد منها التذكير بحال خلق الله إيّاه مملوءاً ماءً دون أن تملأه أودية أو سيول، أو هي للاحتراز عن إرادة الوادي إذ الوادي ينقص فلا يبقى على ملئه وذلك دال على عظم القدرة. وعذاب الله المُقْسَم على وقوعه هو عذاب الآخرة لقوله: {يومَ تمورُ السماءُ موْراً}.

لغة الآية وبلاغتها

الواو في" والبحرِ المسجورِ"، كما عند النحّاس في "إعراب القرآن"، هي للعطف، والمعطوفُ عليه في الأصلِ هو القسَمَ الأولُ، وهو "والطورِ"؛ وعلى هذا فكلمةُ البحرِ مجرورةٌ بالعطفِ على مجرور؛ حيث الواو في القسَمِ الأولِ "والطورِ" هي واو القسم وهي جارّة. وقد ذهب البعضُ إلى اعتبار "والبحرِ المسجورِ" قسَماً جديداً مستقلّاً فجعلَ كلمة البحر مجرورةً بواو القسَمِ[14].

وأما المُقْسَمُ به في "والبحرِ المسجورِ" فله احتمالان:

الاحتمال الأول وهو أن القسم هو بالبحر نفسه، أي لا يوجد في الآية أيُّ حذفٍ.

الاحتمال الثاني: وهو أن القسم هو بمضافٍ محذوفٍ. وقد ذهب بعض العلماء إلى أن المضاف المحذوف هو لفظ "رب" أي أن القسم قبل الحذف هو: (وربِّ البحر المسجور) ، وهو ما أورده الزركشي في "البرهان في علوم القرآن". و أرى أن هناك مجالاً للقول بحذف المضاف وذلك على وجهيْنِ:

1- على أساس أن البحر المسجور هو بحر بعينه، فإن له هو حدوداً تنتهي حيث تمتد مياهه. ولكنّ له من حوله مساحاتٍ ترتبط به من حيث رَفْدُها له بالماء، وهي ما يسمّى: "منطقة الاستجماع" أو "منطقة الاسترفاد" the catchment area. ولا بأس أن نعبر عنها بأنها أرضه، أو بأنها أقطارُه وبأنها حوضه. وعلى هذا يكون التقدير إمَّا: ( وأرضِ البحرِ المسجورِ)، وإمّا: (وأقطارِ البحرِ المسجورِ).

2- وعلى أساس أن البحر هو محلُّ، ونظراً إلى ما جرى عليه أسلوب العرب في ذكر المحلِّ في حين يُرادُ الحالُّ، ومثال ذلك: "وسْئلِ القريةَ التي كنا فيها والعيرَ التي أقبلْنا فيه وإنّا لَصادقونَ" (يوسف:82)، أي فاسأل أهلَ القريةِ، فإن هناك مجالاً لتقدير المضاف المحذوف بكلمة "ماء"؛ لأن الماء هو أهمُّ ما يكون في البحر، ولولاه لما كان البحر بحراً؛ إذ إن البحر هو الماء الكثير الواسع. وبهذا يكون تقدير القسم هو: (وماءِ البحرِ المسجورِ). وهنا نستذكر قول الله تعالى: "قُلْ لوْ كانَ البحرُ مِداداً لكلماتِ ربّي لَنفِدَ البحرُ قبلَ أنْ تنفدَ كلماتُ ربّي ولوْ جئنا بمثلِهِ مَدَداً" (الكهف:109)؛ إذ إن المقصود هو ماء البحر، أي لو كان ماءُ البحر مداداً لكلمات الله لنفد هذا المدادُ قبل أن تنفد كلمات الله تعالى.

وتركيزاً على الوجه الثاني، وهو أن المضاف المحذوف هو كلمة "ماء"، فإنه على وَفْقِ هذا الاعتبار يكون "المسجور" وصفاً للماءِ، وأمَّا في حالة اعتبار أنه لا يوجد حذفُ مضافٍ، فإن المسجور يكون وصفاً للبحر. وفي كلا الحاليْنِ يكون "المسجور" نعتاً مجروراً، وعلامة جرِّه هي الكسرةُ. ويمكن أن نفهم أن السجر سبق وأن جرى، أي أن المسجور صفة للبحر بسبب حدثٍ قد مضى، أو أنه ما يزال جارياً، أيْ أن المسجور صفة للبحر تُظهر ما يتعرض له، أو ما هو واقع تحته من الحدث.

"والبحرِ المسجورِ" في القراءات

بالرجوع إلى معجم القراءات القرآنيّة لم أجد أيَّ قراءة أخرى لأيٍّ من الكلمتيْنِ الواردتيْنِ في قول الله تعالى: "والبحرِ المسجورِ"[15]. ولا أرى هنا مجالاً للاجتهاد بقراءات أخرى مما يمكن أن يحتمله الرسم العثمانيُّ الأصليُّ غيرُ المنقوطِ وغيرُ المشكولِ. وعلى هذا، فلا نناقش الآية قارئين لها: (والبحرِ المسحورِ)، أو: (والبحرِ المشجورِ)، أو: (والبحرِ المشحورِ)؛ إذ إن هذه القراءات ذات شذوذ.

ونظراً لربط المفسرين بين قول الله تعالى: "والبحرِ المسجورِ" وبين قوله تعالى: "وإذا البحارُ سُجِّرَتْ" - بتشديد الجيم-، فلا بأس من التذكير أنه قد جاء لها قراءة أخرى هي: "وإذا البحارُ سُجِرَتْ" – بتخفيف الجيم- فما هو الفرق بينهما؟ وما تأثير ذلك تفسيريّاً؟

أما قراءة "سُجِرَتْ" أي بتخفيف الجيم، فهو إخبارٌ عن حال البحار مرّة واحدة، أي إن حدوث السجر هو لمرّة واحدة. وأمَّا قراءة "سُجِّرَتْ" أي بتشديد الجيم، فهو إخبار عن حال البحار في تكرير السجر مرّة بعد أخرى، وهو تكثير.

وانطلاقاً من أن "وإذا البحارُ سجِّرتْ" هي من أشراط الساعة، فإن القراءة بتشديد الجيم تجعلنا بين احتماليْن. الاحتمال الأول: هو أن سجر البحار سيكون ابتداءً، وأنه سيكون سجراً من بعد سجر، سجراً شديداً مكرّراً. وهذا الاحتمال هو في مصلحة اعتبار أن البحر في قول الله تعالى "والبحر المسجور" هو بحر بعينه، وأنه مسجور قبل يوم القيامة. والاحتمال الثاني: هو أن البحار كانت قبل مجيء أشراط يوم القيامة واقعةً تحت سجرٍ، وأن ذلك السجر سيشتد ويتعاظم مشكلاً علامةً من أشراط الساعة. وهذا الاحتمال في مصلحة الذي يعتبرون أن البحر في "والبحرِ المسجورِ" هو اسم جنس، أي إن لفظ البحر في هذه الآية هو عندهم شامل للبحار جميعاً.

تأييد من المقارنة بين الأقسام في سورتيْن

قال اللهُ تعالى في سورة الطور: "بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ. والطورِ(1) وكتابٍ مسطورٍ(2) في رَقٍّ منشورٍ(3) والبيتِ المعمورِ(4) والسقفِ المرفوعِ(5) والبحرِ المسجورِ(6)"

لا بد أن يسأل سائل فيقول: ما الذي يربط الأقسام العالية بعضها ببعضٍ؟

وتمهيداً للجواب فإنه يجمل بنا أن نتذكر أقساماً متتاليةَ جاءت في سورة التين :"والتينِ والزيتونِ(1) وطورِ سينينَ(2) وهذا البلدِ الأمينِ(3)"؛ إذ إن الربط بين أقسام سورة الطور من جهةٍ واحدةٍ، وبين أقسام سورة التين من الجهة الأخرى، هو ربط يفتح باباً أميناً يولجنا في دائرة النور، وبخاصةٍ إذا عرفنا أن المقصود من:"والتينِ والزيتونِ" هو القسمُ بأرض فلسطين، أي أن هناك محذوفاً قبل "التين" تقديره كلمة أرض، أو كلمة بلد، أي إننا نفهم القسم هكذا : (وأرضِ التينِ والزيتونِ) أو هكذا : (وبلدِ التينِ والزيتونِ). ويجب أن نلاحظ أن الأقسام في سورة التين جاءت في ثلاث آيات؛ إذ جاءت "والتينِ والزيتونِ" في آيةٍ واحدةٍ، وكأن ذلك إشعار بأن "والتينِ والزيتونِ" تتبع قسماً واحداً، لا أنها قسمانِ، وهذا مما يقوّي القول بوجود محذوف قبل التين، أي إنه ليس في التين والزيتون قَسَمانِ، بل قسمٌ واحدٌ هو بأرضهما أو بلدهما، وهو فلسطين، أي بيت المقدس وأكناف بيت المقدس.

واتكاءً على ما سبقَ، أرى أن المناسبةَ في اختيار الأماكن الثلاثة المقسم بها في سورة التين، وهي بيت المقدس وأكنافه، وطور سينين، ومكة المكرمة، تتمثل في:

1) أنها المناطق التي تعتبرُ من مهابط الوحي لكتب الديانات السماويّة الثلاث، وبالأحرى لكتب الشرائع السماويّة الثلاث التي تنتسب أصلاً إلى دين واحد هو الإسلام.

2) أنها مناطق ثلاثٌ مباركة مقدسة.

وقبل أن نواصل إلى بقيّة الجواب، لا بدَّ أن نسأل: هل الربط بين أقسام سورة الطور وأقسام سورة التين يساعدنا في اعتبار أن البحر المسجورَ هو البحر الميت؟

نعم، هو كذلك؛ إذ إن اعتبار أن القسم "والتينِ والزيتونِ" هو كناية عن القسم بأرض فلسطين، يؤنسنا بالطمأنينة إلى أن القصد من القسم بالبحر المسجور باعتبار أنه البحر الميت، هو القسم بالأرض المباركة التي هي بيت المقدس وأكناف بيت المقدس؛ إذ إن الطور مذكور في السورتيْن، وكذلك فإن مكة المكرمة مشار إليها في السورتيْن، وعلى هذا فإن ذكر البحر المسجور في سورة الطور قد جاء في مقابلة ذكر أرض التين والزيتون في سورة التين، أي هو قسم بالبحر المرتبط ببيت المقدس، والذي هو من الأرض المباركة.

فماذا إذاً عن المناسبة بين الأقسام بالأماكن الثلاثة المذكورة في سورة الطور: الطور، والبيت المعمور، والبحر المسجور؟

أرى أن المناسبة تتمحور حول ثلاثة أمور، سبق ذكر اثنيْن منها:

(1) أنها المناطق التي تُعتبرُ من مهابط الوحي لكتب الديانات السماويّة الثلاث، وبالأحرى لكتب الشرائع السماويّة الثلاث التي تنتسب أصلاً إلى دين واحد هو الإسلام.

(2) أنها مناطقُ ثلاثٌ مباركة مقدسة.

(3) أنها مناطقُ ثلاثٌ غيرُ ذاتِ زرعٍ مما يزرعه الناس؛ فوادي مكة غير ذي زرعٍ، وطور سيناء هو مثله غير ذي زرعٍٍ، وماء البحر الميت لا يصلح للزرعِ، فشواطئه غير ذاتِ زرعٍ، بل إنه نفسَهُ غيرُ ذي سمكٍ ولا نباتٍ.

ومن الجدير بالذكرٍ أنه يوجد في أسفار العهديْن القديم والجديد أكثر من نصٍّ جامعٍ أيضاً للطور ومكة وأرض بيت المقدس، ومن ذلك ما جاء في سفر التثنية: (جاء الله من سيناء, وأشرق من ساعير, وتلألأ من جبل فاران)؛ وما جاء أيضاً في الفصل العشرين من السفر الخامس: (أقبل الله من سيناء, وتجلّى من ساعير, وظهر من جبل فاران). ولا ريْب أن سيناء، بدهيّاً، هي أرض طور سيناء، وأمّا فاران فهي جبال مكة. فأين هي ساعير، أو أرض ساعير؟ هي حوض البحر الميت، أي البحر الميت والجبال المكتنفة له؛ وبخاصة من جانبه الغربيِّ حيث نزل الإنجيل على المسيح عيسى ابن مريم، عليهما السلام، ومنها جبال القرية الفلسطينيّةُ المعروفة باسم: "سعير"، الواقعة إلى الشمال الشرقي من مدينة الخليل. فما دلالة هذه التسمية :"ساعير"، أي تسمية البحر الميت والجبال المجاورة له بأرض ساعير؟

إن "ساعير" كلمة عبريّةٌ مشتقة من الفعل "سَعارْ" الذي يحمل معنى الفعل "سعَرَ" بالعربيّة، أي يأتي معبّراً عن النار وما يرتبط بها من الحرق والصعقِ.

وقد جاء في "التفسير الكبير"، تفسيرِ الفخر الرازيّ:

"ما الحكمة في اختيار هذه الأشياءِ (الطور، والبيت المعمور، والبحر المسجور)؟ نقول هي تحتمل وجوهاً: أحدها: إن الأماكن الثلاثة وهي: الطور، والبيت المعمور، والبحر المسجور، أماكن كانت لثلاثة أنبياء ينفردون فيها للخلوة بربهم والخلاص من الخلق والخطاب مع الله، أما الطور فانتقل إليه موسى عليه السلام، والبيت المعمور محمد صلى الله عليه وسلم، والبحر المسجور يونس عليه السلام".

الربط بين معاني المسجور في اللغة والتفسير وبين واقع البحر الميّت

غاية هذا البحث هي إثبات أن "البحر المسجور" هو البحر الميّت The Dead Sea. ويتشكلُ محورُ هذا الإثبات من تطبيق جُلِّ ما جاء في المعاجم، وأجلِّ ما جاء في التفاسير، تطبيقاً دقيقاً شاملاً على واقع البحر الميّت متمثلاً في المعلومات الدقيقة المتاحة عنه، بحيث تكون نتيجةُ التطبيقِ هي التوافقَ أو التطابقَ وصولاً إلى الحكم على أنَّ اعتبارَ أنَّ البحرَ المسجورَ هو البحر الميّت، هو رأيٌ واضحٌ سبيلاً، وراجحٌ دليلاً. واعتماداً على هذا المنطلق فسنرى تالياً أنّ البحر الميّت مسجورٌ من سبعةٍ وعشرين وجهاً:

[1] المسجورُ: المفجورُ.

يعتبر الجيولوجيّونَ أن البحر الميّت حوض منَ الحفرةِ الانهداميّةِ الصدعيّةِ الكبيرةِ
Great Rift Valley
التي تمتدُّ من شمال سوريا إلى الوادي الكبيرِ في أفريقيا. وهذا الصدعُ يدلُّ على حدوثِ انفجارٍ عظيمٍ.

وعلى الرغم من تعدّد النظريّات في نشوء البحر الميّت، ولسنا هنا بصدد مناقشتها، فإن الجيولوجيّين يجمعون على أن هذا النشوء مرتبطٌ بانفجار واسع عنيف في عصر سحيق[16].

ويعزو العلماء خروج قطع الزفت إلى سطح البحر الميّت إلى حدوث تصدّعات في قاعه، وبخاصّةٍ عند حدوث تفجّراتٍ في القاع بسبب الزلازل[17]. وكذلك فإن في قاع البحر الميّت عدداً كبيراً من الينابيع الحارّة[18]، وهذه الينابيع دليل على تعرّض قاعه للتفجّرات. وهكذا فإن قاع البحر الميّت هو قاعُ بحرٍ مفجورٍ.

[2] المسجورُ: المملوء.

من البدهيِّ أن البحر لا يكون بحراً إلّا بمائه، وطبيعيّاً، فإن الأصل في ملءِ البحر أن يكون بالماءِ، أولاً، وبالكائناتِ الحيّةِ، وأهمها الأسماك، ثانياً، وبالأملاحِ، ثالثاً. ومن هنا، فإذا أخذنا أن المسجور هي بمعنى: المملوء ماءً أو كائناتٍ حيّةً، فإنه لا يكون هناك لفتة فارقة في القسَمِ إلاّ إذا اعتبرنا أن البحر في هذا القسمِ هو اسمُ جنسٍ، وأن الآيةَ تلفت نظرَ الإنسانِ إلى عظم البحر، وتذكره بما منَّ الله عليه من النعم الجمّة الجليلة التي فيه، وإلى المنافع التي يحصّلها منه. وتفسيرُ المسجور بالمملوء هو عند الطبريِّ وابن سيدَه لا وجهَ له إلا أن يكونَ البحرُ مملوءاً ناراً لا ماءًً، وأضيفُ: أو أن يكونَ مملوءاً وقوداً، أو أملاحاً.

وإذا ذهبنا إلى أن القسَمَ في: "والبحرِ المسجورِ" هو قسمٌ ببحرٍ معيّنٍ، وأن القسمَ هو بالحالِّ أي بماء البحر، على اعتبار أن هناك حذفاً للمضاف، وأنه تمَّ الاستغناء عنه بالمضاف إليهِ، فإنه يمكن أن نعتبرَ أن الوصف بالمسجور هو لذات الماء. فكيف يكون ماء البحر الميّت مسجوراً، أي مملوءاً؟

أول ما يتبادر إلى الذهن بالنسبة لماء البحر المالحِ هو مدى ملوحته، مدى أُجاجيّتِهِ. فالماء البحريُّ المسجورُ هو المملوءُ ملحاً. ولا ريْبَ أن إشارة امتلاء الماء بالملح هو أن يصل إلى حدّ الإشباع، saturation أو يتجاوزها إلى ما فوق الإشباعِ oversaturation، ودلالة ذلك هو ترسُّب الملح منه. ومن المعروف أن مياه البحر الميّت "فوق مشبعةٍ" بالأملاح؛ إذ تنتشر الترسبات الملحيّة في قاعه وفي شواطئه انتشاراً كثيفاً. والبحرُ الميّت هو أكبر مستودعٍ طبيعيٍّ للفوسفات وعددٍ آخر من الأملاح[19]. ولوْ أنَّا أخذنا السجْرَ بمعنى الامتلاء إلى حدِّ حصول الفيضان، فإنَّ البحر الميّت هو بحرٌ يفيض أملاحاً؛ فأملاحه أكثر مما يلزم لإشباع مياهه ملوحةً كما يشهد قاعه، وإنَّ شواطئه لَتشهدُ أيضاً بأنه يفيض أملاحاً.

وكذلك فإن جوّ البحرِ الميّت مليء بالضبابِ أو العجاج haze؛ إذ تبدو منطقة البحر الميّت من المناطق المشرفة عليها تبدو كأنها حوضٌ من عجاج محبوس، حوضٌ يمتلئ ضباباً.

[3] المسجور: الفارغ.

ومن البدهيِّ، كما سبق، أن البحر لا يكون بحراً إلّا بمائه. وطبيعيّاً، فإن الأصل في ملءِ البحر أن يكون بالماءِ، أولاً، وبالكائناتِ الحيّةِ، وعلى رأسها الأسماك، ثانياً، وبالأملاحِ، ثالثاً. ومن المعروفِ معجميّاً أن كلمة المسجور تأتي في بعضِ استعمالاتها من الأضداد. والكلمةُ الضدُّ تستعمل لتأدية معنىً معيّنٍ أو المعنى المعاكس له، أي المعنى الذي هو ضدٌّ له. ولمّا كانت المسجور قد تأتي من الأضدادِ، وكان المملوء معنىً لها، فإن الفارغَ هو المعنى المخالف، وقد يكون مقصوداً في ذكرها. وعلى الرغمِ من احتمال أنَّ المسجور يعني الفارغَ، فإنه من حقّنا أن نعتبرَ أنّ البحرَ المذكورَ في القسَمِ قد بقيَ محتفظاً ببحريّتِه، فلم يفقد ماءه، بل بقي مملوءاً به، أيْ ما زالَ البحرُ المقصودُ ماءً كثيراً واسعاً. فكيف يكون البحرُ لم يفرغْ من مائهِ، ويكون موصوفاً بأنه بحرٌ فارغٌ؟ إنَّ القولَ بأن في القسمٍ محذوفاً تقديرُه الماءُ، أي بفهمِنا أنَّ القسمَ هو بماء البحرِ: (وماءِ البحرِ المسجورِ)، وأن المسجورَ هو الماءُ، فإن الذي يكون فارغاً ليس البحرَ من حيثُ هو ماءٌ كثيرٌ واسعٌ، بل هو ماؤه. وأوْلى ما يحتويه ماء البحرِ هو كائناته الحيّةُ فأملاحُه. فمن هذه أو تلكَ قد يفرغُ ماء البحرِ، ويبقى هو مملوءاً. فهل البحر الميّت بهذا الفهمِ هو بحرٌ فارغٌ؟

نعم، إنه فارغٌ من الكائنات الحيّةِ المعهودة في البحار، الكائنات المنظورة بالعين المجرّدة، أي تلك الكائنات الحيّة في المفهوم غير المجهريِّ macroscopic. والكائنات الحيّة غير المجهريّة إمّا نباتات، وإما حيوانات، وأهمها الأسماكُ والحيتان والسلاحف والقشريات والرخويات وشوكيّات الجلد، وما إلى ذلك. وهكذا، فإن القسمَ بالبحرِ الميّت من خلال وصفِهِ بالمسجور، هوَ قسمٌ أبقى على بحريّتِهِ من حيثُ إنه ماءٌ كثيرٌ واسعٌ، وبيّن أنه مملوءٌ وفارغٌ في آنٍ واحدٍ؛ مملوءٌ أملاحاً، وفارغٌ أحياءً. وامتلاء البحر الميّت بالأملاح هو السبب في فراغِهِ من الكائنات الحيّةِ. وبهذا يكون وصفُه بالمسجور قد عبّرَ عن حالِهِ سبباً ونتيجةً.

والكائنات الحيّة التي تمَّ اكتشافها فيه حديثاً، هي من النوع المجهريِّ microscopic؛ إذ لا تراها العيون المجرّدة، وهي من أبسط الكائنات الحيّة؛ إذ إنها من وحيدات الخليّة. وعلى كل حالٍ، فهي عموماً خفيّةٌ عن العيون، ووجودها في مياهه غير متصل وذلك بسبب التغيّرات الحادّة التي تظهر في ملوحة مياهه[20].

[4]المسجور: الممتلئُ منْ مياهِ الأمطارِِ والأنهار والسيولِ والينابيعِ، وما إلى ذلكَ.

ونظراً لعدمِ اتصالِ البحرِ الميّت ببقيّةِ البحارِ، فإنَّ امتلاءَهُ بالمياهِ، على وَفْقِ وضعه الراهن، وما هو معروف عنه تاريخيّا، هو امتلاء يتمُّ في معظمه على حسابِ انصبابِ مياهِ نهرِ الأردنِّ فيهِ؛ فالبحر الميّت هو مجمعُهُ ومصبُّهُ، وأيضاً على حسابِ مياهِ عددٍ منَ الينابيعِ والوديانِ وسيولِ الشتاءِ. ولو أن البحر الميّت لا يستقبل مياه نهر الأردنّ والأمطار والسيول والينابيع لَجفَّ منذ زمنٍ بعيدٍ.

[5] المسجور: المحروق. وقد جاء في القرآن المجيدِ عن عذاب الكافرين: "في الحميمِ ثُمَّ في النارِ يُسْجَرونَ" (غافر:72)، أي يُحرَقون، أو يصيبُهم عذابُ الحريقِ.

وإذا كان المحروق مكاناً فقد يكون وصل أمره إلى موت الكائنات الحيّة التي فيه. ويوصف المكان الذي قد ماتت كائناته الحيّة بأنه ميت. وما دام المسجور قد جاء وصفاً للبحر، وكان معناه المحروق، وكان الميّت قد يكون حالاً للمحروق، فعلى هذا يمكن أن نقول: إن البحر المسجور هو البحر الميّت. وليس هناك من بحرٍ ميّتٍ غير الذي عرفه الناس باسم: "البحر الميّت".

وليس بالضرورة أن يكون الموصوف بالمحروق كله محروقاً؛ إذ قد نصف رجلاً بالمحروق في حين لا يكون الحرق إلا في وجنته، أو عنقه. وهو من باب وصف الكلِّ بصفة جزءٍ منه.

وقد أنزل اللهُ تعالى على قرى قوم لوطٍ كبريتاً وناراً أحرقت مدنهم: "وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَآ أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ. وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ"(القمر: 37-38)، وقد استقرَّ ذلك العذابُ بها أي بقيتْ محروقةً؛ إذ ما تزال مليئةً بالكبريتِ ولا تصلح لحياة الحيوانات والنباتات، وواقعةً في جوٍّ حارٍّ لا يخلو من عذابٍ محرقٍ. وتشير أدلةٌ قويّةٌ إلى أن تلك القرى كانت قائمةً في الجزء الجنوبيّ من البحر الميّت، أيْ أن ذلك الجزء من البحر الميّت هو منطقة محروقة بذلك العذابِ الذي أصابَ أهلها بما كانوا يصنعون. وقد استقرَّ ذلك العذابُ بها أي بقيتْ محروقةً؛ إذ ما تزال مليئةً بالكبريتِ ولا تصلح لحياة الحيوانات والنباتات.

وما دام قد حصل مطر، أيُّ مطر، فليس ببعيد أن تكون قد صحبته صواعق ناريّة محرقة: "فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِيْنَ(73) فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّنْ سِجِّيلٍ(74) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِيْنَ(75) وَإِنَّها لَبِسَبِيْلٍ مُّقِيْمٍ(76) (الحجر: 73-76). ولا ريْبَ أن للصواعق صيحةً بما فيها من رعودٍ مزمجرات، وبما فيها من نيران محرقات.

وعلى الأغلب أن يكون للحريق رائحة كريهة، أو أن يكون المحروق منتناً، أيْ أن يكون المسجورُ منتناً. والبحر الميّت مشتهرٌ بروائحه الكريهة حتّى إنهم قد سمّوْهُ: البحرَ المنتنَ stinking sea. وقسط كبير من نتن البحر الميّت عائد إلى تطاير غاز البروم منه، وإلى روائح موادَّ كبريتيّة.

ولا ريْبَ أن منطقة استجماع البحر الميّت catchment area the، حوض البحرِ الميّت، حيث الامتداد الجغرافيّ الذي تقطر منه المياه إليه، تدخل في ذكرِهِ، أو هو يذكّرُ بها. وعلى هذا فإن منطقة استجماع البحر الميّت تمتدُّ إلى حيث يكون له علاقة جغرافيّة من حيث ورود الماء إليه، سواء من الأنهار أو السيول أو الينابيع. وهذا يعني دخولَ جبال فلسطين الشرقيّة في القسَمِ شاملةً جبالَ القدس والخليل، ويعني دخولَ جبال الأردن الغربيّة شاملةً جبالَ موآب وجبل "نيبو" الشهير وغيره. ولا ريْبَ أنه إذا كانت منطقة استجماع البحر الميّت، أو أرضُ حوضِهِ قد سجرتها نيران الحروب، فهو معها قد سجرته تلك النيران. ولا ريب أن الأرض المباركة في فلسطين والأردنّ قد شهدت أكبر عدد من الحروب على مرِّ التاريخ، ومنها ما كان البحر الميّت نفسهُ سبباً لها، أو كانت شواطئه ذاتها مسرحاً لمعاركها. ويكفي في هذا الصدد أن نستذكر معركة اليرموك، ومعركة حطّين، ومعركة عين جالوت، ومعركة الكرامة. وقد خاض الأنباط ثلاثةَ حروبٍ ضد السلوقيّينَ دفاعاً عن البحر الميّت.

والبحر الميّت عالي الأُجاجيّةِ hypersaline وفائقها، أيْ إن مياهه مُحرِقةٌ بسبب التركيز العالي جدّاً لأملاحه، بحيث تصل في درجة إحراقها إلى حرق الكائنات الحيّةِ، أي إن أجاجيَّتَه العالية تسجره، فهو بها بحر مسجور.

والمحروق يكون ذا تعطش شديد للماء، يحاول أن يأخذ الماء بقوّةٍ، يريد سحب الماء بشدّةٍ، وهكذا هو ماء البحر الميّت، إنه ماء مسجور؛ إذ إنه بسبب التركيز الفائق لأيونات الأملاح التي فيه يشكّل ضغطاً أُسموزيّاً عالياً. ونظراً إلى علوِّ هذا الضغط الأسموزيّ فإنه يسحب الماء بقوٍّةٍ من أيّ نبات ينغمس فيه، فكأنه محروق وكأن في جوفِهِ ظمأً.

[6] المسجورُ: الموقَدُ أو المُحَمّى أو المحموم أو المُسخّن أو الساخن، الذي أصابه الحرُّ، المرتفعُ في درجةِ الحرارةِ؛ ذو المياهِ الحارّةِ الساخنةِ، وذو الجوِّ غير البارد.

وبالنسبةِ للبحرِ الميّت فإنَّهُ يعتبرُ ذا مياهٍ ساخنةٍ؛ إذ تسطع عليه الشمس معظم أيام السنةِ، 333 يوماً أو حواليْها. ويندر أنْ تقلَّ درجة حرارة مياهه عن عشرين درجةً مئويّةً، وقد تصلُ أحياناً إلى قرابة أربعين درجةً مئويّةً. ودرجةُ حرارةِ الجوِّ في منطقته تبلغُ في المعدّل السنويّ 30.4 درجةً مئويّةً، في حين إن المعدّل السنويّ لدرجة حرارة جوّ البحر الأبيض المتوسط، مثلاً، هو 11.2 درجة مئويّة[21].

وبسببِ ارتفاعِ الضغطِ الجويِّ فوقَهُ، وبسببِ ملوحتِهِ العاليةِ، فإنَّ هذا ممّا يزيدُ في سخونةِ مياهِهِ، ويحافظُ على ارتفاعِ درجةِ حرارتِهِ طويلاً بعدَ الغروبِ. ولا ريْبَ أن الضغط الجويّ الزائد يجعل ماء البحر الميّت يعمل مثل الكظيمة thermus bottle، فيجعله مكتسباً للسخونة، أي يجعله مسجوراً.

وبسبب ملوحة مياهه وارتفاع الضغط الجويّ فوقه، فإن درجة غليانها تكون عالية نسبيّاً، أي لو أخذنا قِدْراً من مياه البحر الميّت وأخذنا بغليهِ عند شاطئِ البحر الميّت نفسه، فإننا نجد أن درجة غليانه تتجاوز المائة درجة مئويّة تجاوزاً معتبراً؛ إذ إن الماء النقيَّ يغلي هناك على درجة حرارة قد تبلغ مائةً وسبعاً ونصفاً من الدرجات المئويّة. ونظراً لارتفاع الضغط الجويّ عند شواطئه، فإن إنضاج الطعام هناك يكون أسرع؛ لأن ارتفاع درجة غليان الماء تعطي مجالاً للطعام لأخذ الحرارة بدلاً من استهلاكها في الغليان، أيْ في الماء المتبخّر بالتسخين.

ونتيجة ارتفاع الضغط الجويّ فوق سطح البحر الميّت، وهو أعلى ضغط جويٍّ في العالم، فإن البخار الخارج منه يكون عالياً في درجة حرارته، أي إنّ مَنْ يسجل درجة حرارة البخار لجميع البحار سيجد أن أعلاها هي للبخار الآخذ بالتصاعد من مياه البحر الميّت. وهذه النتيجة تجعل هذا البحرَ مستحقاً أنْ يوصف بالمسجور. ويشعر زائر البحر الميّت في الصيفِ أن جوّه حارٌّ بشكل لا يصدَّقُ، يشعر أن البحر مسجورٌ فعلاً، فلو كانت درجة الحرارة في جوّه 40 درجة مئويّةً، وكانت درجة الحرارة في موضع من صحراء سيناء، مثلاً، واقعٍ على مستوى سطح البحر، هي 40 درجة مئويّةً أيضاً، وتماثلت الظروف من حيث سرعة الرياح والرطوبة النسبيّة في الموضعيْنِ، فإن الإنسان الذي عند البحر الميّت يحسُّ بأنه في جوِّ أشدَّ حرّاً، فما سبب ذلك؟ السبب هو فرق الضغط الجويِّ وما ينتج عنه من اختلاف في درجة حرارة تبخّر الماء في الموضعيْن؛ إذ إنه على فرض تساوي الملوحة في عَرَقِ الاثنيْنِ، فإنَّ الماء في عرق الإنسان الذي في سيناء يبدأ بالتبخر على درجة حرارة أقلَّ بحواليْ ثماني درجات مئويّةٍ من درجة الحرارة التي يبدأ عندها تبخّر الماء من عرق الذي عند البحر الميّت. وهذا معناه أن الماء على جلد الذي عند البحر الميّت يصل قبل التبخر إلى درجة حرارة أعلى من تلك التي يصلها الماء على جلده وهو في منطقةٍ أخرى لها نفس الظروف من حيثُ درجة الحرارة في الجوِّ، وسرعة الرياح، والرطوبة النسبيّة. ومن هنا، فإن الإنسان يحسُّ أن البحر الميّت بحر مسجور.

وبسببِ ملوحتِهِ الكبيرةِ، هيهاتَ هيهاتَ أنْ تتجمّدَ مياهُهُ، أي هي مسجورة على الدوام؛ إذ لم يذكر أحد حتى الآن أنَّه قد رأى أيَّ جليد في مياه البحر الميّت.

وكذلكَ فإنَّ الينابيعَ المعدنيّةَ الحارّةَ، وهيَ: "الحَمَّاتُ"، تكثرُ في محيطِ شواطئِهِ، ويوجد في قاعِهِ عدد كبير منها submarine hot springs [22]، فكأن تحته ناراً أو وقوداً مشتعلاً.

ونظراً لما هو دارج من وصف تأثير الماء ذي الملوحة الشديدة بألفاظ هي مما يستعمل عادة للنار، من مثل: ماء حارق، وماء لاذع، وماء أجاج؛ ونظراً لارتباط معنى السجر بالنار والإيقاد والحرق، فإنه يمكن أن نصل إلى أن وصف البحر بالمسجور هو وصف لتأثير مائه في لذع الجلد، وترك الحرقة في الجوف، وإحداث حرقة مدمعة للعيون، وما إلى ذلك. ومن المعروف والمعهود أن مياه البحر الميّت شديدة الملوحة بحيث إنها تسبب في الجلد لذعاً كأن ناراً أصابته، وبخاصّة إذا كان الجلد متجرّحاً أو مخدوشاً، وتُحدِث في العيون حرقةً مدمعةً، ومن دخلت جوفه يحس وكأن فيه لهيباً. وقد جاء في لسان العرب لابن منظور أن الماء الأجاج هو شديد الحرارة؛ شديد المرارة؛ شديد الملوحة المحرق من ملوحته؛ وكذلك شديد الملوحة والمرارة. وجاء فيه أن الأجيج هو التوقّد؛ وشدّة الحر.

وكما ذكرنا أعلاه، فإن جوّ البحر الميّت مليء بالعجاجِ haze، وهذا العجاج في أغلبه عبارة عن ضباب من محاليل هوائيةٍ aerosols؛ إذ تبدو منطقة البحر الميّت من المناطق المشرفة عليها تبدو كأنها حوض من ضباب محبوس، وقد يحسبُ المرءُ من بعيدٍ أن ذلك الضباب دخان صاعد من فوقِ حريق هائلٍ، أو أنه خارجٌ من مياهٍ تغلي بفعل نارٍ موقدة.

ولطين البحرِ الميّت خصائصُ تحمِيةٍ للجسمِ thermopoxic properties، إذ إن تغشيةَ الجسم به تنشط الدورة الدمويّة، وتشعر الإنسان بأنه قد حميَ، أي كأن طلاءَ الجسمِ بطينه هو استحمام. واللون الأسود لهذا الطين يمكنه من امتصاص قدر كبيرٍ من أشعة الشمس الساقطة عليه، وذلك مما يرفع من درجة حرارته، ويعمل على تعزيز تسخين المياه من حوله، والاحتفاظ بالحرارة[23].

وكذلك فإن انغمار الإنسان في مياه البحر الميّت ينشط دورته الدمويّةَ ويوسع أوعيته الدمويّةَ مما يرفع من درجة حرارته، ويكسبه مزيداً من الدفء. ومنطقة البحر الميّت مشتىً هام؛ إذ قد تكون جبال القدس والسلط متدثّرةً بالثلوج في حين تكون درجة الحرارة على شواطئه تناهز عشرين درجة مئويّة[24].

وتقع درجة حرارة المياه العميقة في البحر الميّت عند معدّل 22 درجة مئويّة، وأمَّا لمياه البحر الأبيض المتوسط، مثلاً، فمعدّلها يقع في محيط 13 درجة مئويّة[25]. ويشير هذا الفرق إلى أن تحت البحر الميّت مصادرَ حرارةٍ تسجر مياهه.

ونظراً إلى الأجاجيّة الفائقة hypersalinity لمياه البحر الميّت، فإن تلك المياه تكون ذات حرارة نوعيّة قليلة، أو ذات سعة حراريّة نوعيّة قليلة نسبيّاً[26]، وكلما قلت الحرارة النوعيّة للمادة فإنها تكون أكبرَ استعداداً للتسخين، بل وأسرعَ في التسخين، وأقلَّ في الحرارة الكامنة، وكل ذلك مما يعزز من قابليّة مياه البحر الميّت للإحماء وارتفاع درجة حرارتها.

وقد أشارت قياسات درجات حرارة ماء أعماق البحر الميّت إلى أنه بازدياد العمق فإن درجة الحرارة ترتفع[27]، وهذا دليل وجود مصدر حراريٍّ أسفل قاعه، أي إن تحتَهُ لناراً. وكذلك فإن معدل تخزينه الحراريّ عالٍ بشكل فائقٍ[28].

[7] المسجور: المتقد، أي كأن فيه اشتعالاً، كأنَّ فيهِ ناراً ذاتَ لهبٍ، أو كأن ألسنةَ اللهب تتصاعد منه، وكأنَّ الشررَ يترامى من مياهه.

إن سطوع الشمس على مياه البحر الميّت أمرٌ متميزُ وذو طابعٍ فريد؛ إذ إن تلك المياهَ مليئةٌ بالبلّورات الملحيّةِ العالقةِ فيها، وتعمل تلك البلّورات على انكسارات الضوء معطيةً للناظرِ إلى سطح البحر الميّت إحساساً وكأنَّ تلك المياهَ متقدةٌ shimmering and sparkling مشتعلةٌ[29]، أي تبدي البحرَ مسجوراً.

وكذلك فإن شواطئ البحر الميّت زاخرةٌ بكتل مترسبة من الأملاح المتبلوِةِ، كتلٍ بأحجامٍ وأشكالٍ مختلفة، بعضها تحت المياه، وبعضها قد انحسرت عنه، وعندما تسقط عليها أشعة الشمس وتنكسر عنها، فإنه يبدو للناظرين وكأن نيراناً تشتعل وتستعرُ على شواطئ البحر أو فيه، أو كأنَّ عدداً هائلاً من المشاعلِ المتقدةِ ذات الوميض موزّع فيه.

والقوامُ الزيتيُّ لماء البحر الميّت العائد إلى وجود كلوريد الكالسيوم، يجعل أشعة الشمس الساقطة عليه تلمع بسطوعٍ مميّزٍ كأنه سراجٌ موقد يتلألأ ضياءً.

وعلى مدار السنة، في ساعات الصباح، غالباً ما يظهر في وسط البحر الميّت خطٌ بارزٌ من الزبَد، وقد اختلف العلماء في سببه[30]. وما من ريْبٍ أن الرغوة أو الزبد فوق الماء قد تعتبرُ من علامات غليانِهِ، أي من علامات أن الماء من تحته مسجور. والبحر الميّت بحِمّاتِهِ، بالينابيع الحارّة التي في قاعِه وعلى جوانبِهِ، قائم فوق "ماءٍ حميمٍ"، وأن تحتَهُ ناراً. وكذلك فإن قلّة الرطوبة في جوِّ البحرِ الميّت تساعد في تعزيز الاشتعال، فجوّه أملأ من غيره بضرورات السجر وظروف تعزيزه.

والسجرُ، أيِ الإحماء بالنار، هو وسيلة للتعقيم من الجراثيم. والملوحة الفائقة هي أيضاً وسيلة تعقيم من الجراثيم. ولا ريْبَ أن البحر الميّت مسجور بطبيعتِهِ، معقّمٌ بأجاجيّتِه الفائقة؛ إذ أن مياهه هي أقلّ المياه البحريّة احتواءً على الجراثيم، جراثيم الأمراض وغيرها. وهل يبقى في المكان المتقدِّ أحياءٌ؟ أوليسَ المكانُ المشتعلُ ميّتاً؟

وأحياناً يكون السجرُ باستخدام الحرق بالنار هو الوسيلةَ لإثارة الرائحة، سواء كانت عطرةً أو نتنة. والبحر المنتن Stinking Sea هو اسمٌ من أسماء البحر الميّت. ولا ريْبَ أن حدّةَ وشدّة نتنِهِ تزداد بارتفاع درجة حرارته؛ وبهذا فإن نتنهُ دلالة على سجره.

[8] السجر بمعنى: الحبس والانحباس، وبالتالي، يكون المسجور هو المحبوس.

إن سطح البحر الميّت، قياساً إلى مستوى البحر sea level - مستوى البحار المنفتح بعضها على بعض- هو أخفض بقعة في الكرة الأرضيّة، وهذا الانخفاض ينطبق على شواطئه؛ ولهذا فإنه في الوضع الطبيعيّ لا مجال لمائه أن يخرج منه من خلال أيّ قناة سطحيّة إلى أيّ موضع حوله أو بعيداً عنه. وعليه، فإن مياه البحر الميّت توصفُ بأنها منحبسة أرضيّاً[31] land-locked، أي لا يمكن أن تغادره إلّا عن طريق التبخّر، وليس عن طريق أي مجرى سطحيٍّ أو قناة سطحيّة، أي إنه يستقبل المياه ولا يرسلها، فأيُّ قناةٍ سطحيّةٍ بينه وبينَ أيّ بقعةٍ في الأرض تسمح فقط أن تجريَ المياه منها إليه، وليس منه إليها. وهذه الميزة جعلت هناك مجالاً للتفكير بفتح قناة من البحر الأحمر أو من البحر الأبيض المتوسط، إلى البحر الميّت في مشروع عرف باسم: "قناة البحار" من أجل تعويض البحر الميّت عن المياه التي حجبها عنه اليهود بتحويلهم معظم مياه نهر الأردنّ إلى صحراء النقب. وكذلك فإن البحر الميّت يوصفُ بأنه محبس مائيٌّ غائرٌ sunken block.

[9]المسجورُ: هوَ الساكنُ. والسكون استقرار وهدوء.

وفيما يتعلق بالبحرِ الميّت، فإنَّ مياهَهُ بالنسبة لمياه البحار المفتوحة ساكنةٌ في معظمِ أيَّامِ السنةِ، ولا تهيجُ فيهِ الأمواجُ بعلُوِّ ما تهيج في تلك البحارِ المفتوحةِ.[32]

ونظراً لغنى البحر الميّت بالبروم، فإن جوّه غنيٌّ به أيضاً. ومن المعروف أن البروم مهدّئٌ للإنسانِ ويعطيه شعوراً بالاسترخاء وبالسكون والراحة، أي إنه يجعل الإنسان يحسُّ أن البحر الميّت مسجورٌ، أي ساكن هادئٌ[33].

وتوجد في قاع البحر الميّت طبقة مائيّةٌ مستقرّة ساكنة من آلاف السنين مما يوصف بالماء المستحاثي أو المستحجر [34]fossilized water، وهي طبقة كثيفة فائقة الملوحة كأنها استحجرت وتصلبت، ويصف العرب ما هو صلب بقولهم: إنه مُسْجئرٌّ، وهي مشتقة من السجر.

ونظراً لخلوِّ مياه البحر الميّت من الحيوانات فإنه موطن ساكنٌ؛ إذ لا تجري في مياهه عمليات مطاردة، ولا محاولات افتراس، ولا تنطلق فيه أصوات التنادي والتعادي.

[10] المسجورُ: المغلق، غير المنفتحِ على غيرِهِ منَ البحارِ الأخرى.

وهكذا هوَ حالُ البحرِ الميّت، فهوَ بحرٌ مغلقٌ، لا يتصل بأيّ بحر آخر، ومن هنا أمكن أن يكون مستوى سطحه أخفض عن سائر البحار، بل هو الأخفض في اليابسةِ.

[11]المسجورُ: الغائضُ الغائرُ، أو ذو الماء الغائضِ الغائرِ.

والبحرُ الميّت، بالنسبةِ لمستوى مياهِ البحارِ المتصلةِ، يقعُ في غورٍ، تحتَ مستوى سطحِ مائِها. فحسبَ قياس سنة 2006 كان الانخفاض 418 متراً[35]، في حين كان ذلك الانخفاض في العام 1930م 392 متراً، ومن هنا فهو بالنسبة لسائر البحار بحر غائر غائض، وهوَ فعلاً يوصف بأنه واقع في سدٍّ طبيعيٍّ غائر[36] graben .

وأرض البحر الميت ما زالت تواصل الغُؤور[37].

وحسب بعض النظريّات، فإن امتلاء البحر الميّت في الأصل قد سبق أن تمَّ عن طريق فيضانات للبحر المتوسط جرت في أزمان قديمة دافقةً المياهَ إلى غور الأردن الذي كان قد سبق أن تكوَّن مع الانفجار الذي أحدث الحفرةَ الانهداميّةَ العظيمةَ، وأن تلك الفيضانات التي غمرت كامل ذلك الغور وجدت طريقها إليه عابرةً سهول مرج ابن عامر الفلسطينيّة[38].

وبمرور الزمن فقد تعرضت تلك المياه للتنشيف والتجفيف، وبخاصّة بفعل التبخر، بحيث انحصرت قبل عشرات آلاف السنين في بقعة البحر الميّت، ربما من نحو 50000 سنة، وبحيث كانت مياه نهر الأردنّ لمدة طويلة، ربما 12000سنة، تكفي لموازنة التبخر منه. ولست هنا في صدد مناقشة هذه النظريّة، وإنما أذكر أن بعضاً من المفسرين قد ربط معنى المسجور بالفيضان، بل منهم من جعل الفعل سجر بمعنى: فاضَ. وبما أن المسجور هي اسم مفعول، واعتماداً على أن سجر تعني: فاض، فإن المسجور تعني الماء الذي تمَّ فيضانه، أو الموضع الذي تمَّ فيضان الماء إليه. وبما أن البحر الميّت هو أخفض موضع على الأرض عن مستوى سطح البحر، فإنه يمثل مفاضاً لسائر بقاع الدنيا، أي هو بالنسبة إليها كلِّها موضع ذو ماءٍ مسجورٍ، أو هو مَفيضٍ.

ولا يزال البحر الميّت إلى أيامنا يستقبل مياه فيضانات الأمطار من على السلاسل الجبليّة المحدقة به من الغرب، والمكتنفة له من الشرق.

[12] المسجور: الذي ذهب ماؤه. ففي لسان العرب عن قتادة: المسجور الذي ذهب ماؤه، أي الذي تنشّف وتيبّس.

إن تركيزالأملاح في البحر الميّت هو نحو عشرة أمثاله في البحر الأبيض المتوسط، أي إن البحرالميّت، قياساً إلى المحيطات والبحار، أو على الأخذ بأنه كان في زمن سحيقٍ متصلاً بالبحر الأبيض، يكون قد ذهب معظم مائه. ويرى العلماء أن البحر الميت كان في عهود سابقةٍ يحتل من غور الأردن مساحة أوسع بكثير من مساحته الحالية، أي إن قسماً منه قد تيبّسَ وتنشّفَ، وفي العربيّةِ يوصف الشيء بصفة لبعضه، وبخاصة إذا كان هذا البعض يشكل معظمه؛ وكما قلنا فقد يوصف رجل بالمحروق مع أن المحروق منه هو إبهام أو أذن.

ومنظورٌ إلى البحر الميّت أنه محتفظ بحالته الراهنة منذ 12000 سنة. وهناك من يرى أن البحر الحاليّ جزء من بحر أوسع كان يملأ غور الأردنّ.

ويخضع البحر الميّت طبيعيّاً لأكبر معدل من التبخّر، وهو بهذا التبخّر العالي يكون دائماً تحت جريان التنشيف، أيْ حتّى من غير حرمانه من معظم مياه نهر الأردنّ، فإنه كانت، وما تزال، تجري عليه محاولات التنشيف بشكلٍ طبيعيٍّ. ولا ريْبَ أنَّ علوَّ معدّلِ التبخر هو دلالة حدوث تسخينٍ قويٍّ نسبيّاً، أي دلالة أنه بحر مسجور.

والبحر الميّت، قياساً إلى سائر البحار، يحتوي على أكبر نسبة من الأجسام الصلبة العالقة في مياههِ، أي كأنه بالمقارنةِ بها ذو ماءٍ حاملٍ يبَساً.

ونظراً للتركيز العالي جداً للأملاح الذائبةِ في مياهه، فإن سقْيَ الشجر بها يقود إلى تيبُّس هذا الشجر. ويصف العربُ الشيء الصلبَ بأنه مُسْجَئرٌّ.

[13] وتأتي المسجورُ وصفاً للّؤلؤ المنظوم، أو للّؤلؤ المنثور الذي انتثر من نظامه، أي هي في حقِّ اللؤلؤ ضد. والذي يميّز اللؤلؤ في تألّقه هو أنه متبلورcrystalized. والجسمُ المتبلورُ ذو وجوهٍ وسطوحٍ هندسيّةٍ منتظمةٍ؛ ومثالُ ذلكَ اللؤلؤُ نفسُه، وحبّاتُ الملحِ، وحبّاتُ السكرِ. وهذا يعني أن حبّات الملح بلّورات، فهي من هذه الناحية كأنّها اللؤلؤ. ولا ريْبَ أن البحر الميّت زاخرٌ بالبلّورات الملحيّة، سواء المترسبة في كتلٍ منظومةٍ أو منتثرةٍ، أو هي عالقة في الماءِ، فكأنه ذو لؤلؤٍ مسجورٍ. وقد يوصف الشيء بصفة ما يحتويه.

وكذلك فإنَّ اللؤلؤَ كثيرَ الماء يوصف بأنه مسجور. وإذا اعتبرنا أن بلّورات الأملاح في البحر الميّت هي بمثابة اللؤلؤ، أو هي كذلك على التشبيه، فإنها تكون مسجورةً أي كثيرة الماء.

والترسباتُ الملحيّةُ المتبلورةُ التي تمتدُّ في شواطئِ البحر الميّت في داخل مياهه، أو تكون عالقة فيها، فإنها منْ خلالِ انكساراتِ وانعكاساتِ ضوءِ الشمسِ، تُضفي عليه وعلى تلك الشواطئِ منظراً جميلاً، يغلُبُ عليهِ اللونُ الأبيضُ مشوباً بمسحة من أطيافٍ أخرى.

ومن المدهش أن بلّورات ملح كلوريد البوتاسيوم لا تترسب بفعل التبخر الطبيعيّ إلا من مياه البحر الميّت؛ إذ لا يترسب هذا الملح على شكل بلّورات بفعل التبخّر الطبيعيّ إلّا في مياه البحر الميّت، وليس في مياه أيّ بحرٍ غيره[39].

ولا ريْبَ أن الترسبات الملحيّةَ المتبلورة التي كأنها اللؤلؤ تكسو جميع قاع البحر الميّت في طبقة سميكة جداً، ولو أن مياه هذا البحر قد تبخرت بالكامل فإنه سيبدو في الشمس حوضاً عظيماً مسجورأً، سيبدو حوضاً عظيماً من البلّورات المتلألئة، وكأنه أرضٌ متقدةٌ، كأنه مشاعلُ متوقّدةٌ متألّقةٌ تسرُّ الناظرينَ.

[14] المسجورُ: مختلط الألوان.

ونظراً لعلوق البلّورات الملحيّة المختلفة في مياه البحر الميّت، ونظراً لمحتواه المركَّز منها، فإن أشعة الشمس الساقطة على مياهه تتعرض باستمرار للظهور بمسحات لونيّةٍ مختلفة مختلطة[40].

وتبدو زرقةُ البحر الميتِ غامقةً؛ إذ إنَّ نسبةَ البروم في مياهه أعلى منها في أيّ بحرٍ آخر، ولون البروم حول درجات الحرارة العاديّة هو لونٌ ذو مسحةٍ زرقاء[41].

وماءُ البحر الميّتِ عندَ الغروبِ، غالباً ما يبدو بزرقةٍ تخالطُها حمرةٌ شديدةٌ قانيةٌ، كأشرطةٍ منَ اللهبِ. ويبدو بعدَ الغروبِ – في ضوءِ الشفقِ- أسودَ مشوباً بحمرةٍ بيِّنةٍ.

وكذلك فإن السجَرَ هو الكُدرةُ، كمثل لون الماء المتعكّر بالطين. والمسجور أو الأسجر هو ذو الكُدرةِ. ولا ريْبَ أن انصباب ماء نهر الأردنّ في البحر الميّت بسرعة كبيرةٍ؛ وهو أسرع نهر في العالم، هو انصباب يؤدّي إلى تعكير وتكدير منطقة المصبّ وجعلها تبدو مسجورةً، وقد يوصف الكلُّ بصفةِ أو حالِ جزءٍ منه. ومن قبل تحويل مياه نهر الأردنّ إلى صحراء النقبِ، فقد كان السجّرُ muddy colourيمتدُّ في وسط البحر الميّت إلى مقربة من اللسان، وبخاصّة في فصل الربيع[42].

ومع أن البحر الميّت خالٍ من الأسماك والسابحات والنباتات إلا أن في مياههِ بعضاً من أنواع الفطريّات والطحالب والبكتيريا مما لا يُرى إلّا مجهريّأً؛ إذ إنَّها من وحيدات الخليّة. وعلى كلِّ حالٍ، فإن من أمثال وأنواع تلك الكائنات ما يعيش على الأموات، فلا يخلو جسمُ أي ميّت منها تحلّله وتفكّكه. وعلى هذا، فإن اكتشاف وجودها في مياه البحر الميّت لا يعني بتاتاً أنه قد صار بحراً تدبُّ فيه الحياة. والفحص المجهريّ الدقيق لمياه البحر الميّت يكشف فيها عن وجود نوعٍ من البكتيريا عاشقة الأملاح halophilic bacteria التي تعيش على بعض طحالبه التي تحيط نفسها بغلاف من الجلسرين يحميها من الضغط الأسموزيّ العالي لماء البحر. وأما تلك الطحالب فهي من نوعٍ يعرف باسم: دونالْييِلا Dunaliella. وأمّا البكتيريا التي تعيش عليها فاسمُها: البكتيريا العتيقة الحمراء red archaeobacteria وهي تحمل أصباغاً حمراءَ هي البيتا كاروتين[43]. ومن هنا فإن البصر الحادّ والفحص الطيفيّ للون ماء البحر الميّت يُظهران أن زرقته مشوبة باللون الأحمر العائد إلى خضابِ البيتا كاروتينbeta carotene. وفي بعض السنوات يبدو سطح البحر الميّت كأنّه بساط أحمر؛ إذ تكون فلسطين والأردنّ قد تعرضتا لأمطار غزيرةٍ مما ينتج عنه تزايد الطحالب الحاملة للبكتيريا حاملة الأصباغ الحمراء، وقد حصل هذا الحال عام 1980م[44].

[15]المسجورُ: إشارةٌ إلى أنَّ طينَهُ حرٌّ خالصٌ.

وبالنسبةِ لطينِ البحرِ الميّت، فإنَّهُ في الوضعِ الطبيعيِّ طين حرٍّ خالصٍ؛ لأنَّهُ يخلو من الكائنات الحيّة، ومن إخراجاتِها وبقاياها؛ إذ لا أسماك فيه ولا ديدان ولا قشريّات ولا شوكيّات ولا رخويّات.

وقد أثبت الفحص وأثبتت التجارب أن طين البحر الميّت يمانع أن يكون وسطاً تعيش فيه البكتيريا والميكروبات antimicrobial[45]؛ فهو لا يقبل أن يشكل مستعمراتٍ لأي نوع من الكائنات الحيّة، لا يقبل إلا أن يكون حرّاَ خالصاً.

وطين البحر الميّت ذو لونٍ أسودَ رماديٍّ، كأنما هو بقايا حريق، كأنما هو طين مسَّهُ السجرُ فبدا محروقاً. وإذا ما جفّتِ المياه عن موضعٍ يكسوه ذلك الطين، فإنه يبدو كأرضٍ قد تعرضتْ للحرقِ، أو شبّ عليها الحرائق. وأيّما إنسان طلا نفسَهُ بطين البحر الميّت فإنه يبدو كالذي اسودَّ جلده من حرقِ النار. وكذلك فإن طينه إذا ما جفَّ كان قابلاً أن يكون سَجوراً، أي يمكن أن يشكل وقوداً فيصير إذا ما اشتعل ناراً ذاتَ لهب.

[16]المسجورُ: المشحونُ وقوداً. ومنَ المعروفِ أنَّ منطقةَ البحرِ الميّت غنيّةٌ بموادَّ بتروليّةٍ وبالقارِbitumen، ومنْ أسمائهِ: بحرُ الأسفلت، أو بحر الزفت. والأسفلتُ asphalt هوَ منَ موادِّ الوقودِ والنار. وقِطَعُ الأسفلتِ كانتْ، ولا زالتْ، تظهرُ طافيةً على وجهِه، وقد تكون أحياناً قطعاً كبيرة قد يصل وزن الواحدةِ منها مائة طن[46]، وبخاصّة بعد حدوث الزلازل في منطقته. ولا ريْبَ أن منطقة حوض البحر الميّت ذات مخزونات بتروليّة كبيرة، ولكن استخراجها تحيط به تعقيدات سياسيّة كثيرة مرتبطة بالصراعات الدوليّة والإقليميّة.

ومياه البحر الميّت ومنطقته غنيّة جدّاً بمركبات المواد المشعّة، ومنها اليورانيوم الذي يتّخذونه وقوداً نوويّاً.

ومن المعروف أن الهواء بما فيه من الأكسجين هو من ضرورات توليد النار، من ضرورات الاشتعال، أي هو من جملة الوقود. ولا ريْبَ أن البحر الميّت بانخفاضه عن سطح البحر مئاتٍ من الأمتار هو الأكثر من غيرِهِ امتلاءً بهذا الوقود؛ إذ إن كميّة الهواء فوقه، أي فوق وحدة المساحة، أكبر منها فوق سائر بقاع الأرض، وكذلك فإن هواءه يحتوي على أعظم نسبة من الأكسجين في أجوائها؛ وهو أيضاً ذو رطوبةٍ نسبيّةٍ منخفضة. وهذه كلها من العوامل المعززة للاشتعال.

والبحر الميّت غنيٌّ بالكبريت، والكبريت مادّة قابلةٌ للاحتراق. وتنتشر في شواطئه صخور قابلةٌ للاشتعال[47].

[17] وأهمُّ معنىً للمسجورِ هوَ الخلُوُّ منَ الكائنات الحيّة المعهودة في عموم البحار.

وبالنسبةِ للبحرِ الميّت فما سمَّوْهُ هكذا إلَّا بسبب خلوّه من الكائنات الحيّة. ويقوّي هذا المعنى قولُ اللهِ تعالى في وصفِ حالِ البحارِ حينما تقتربُ الساعةُ: "وإذا البحارُ سُجِرَتْ" (بقراءة التخفيف)، أيْ توقفتْ فيها الحياةُ، وانعدمتِ أسماكُها، والكائناتُ الحيَّةُ المنظورةُ بالعينِ المجرّدةِ. والقرينةُ المؤيّدةُ لهذا المعنى، هيَ: "وإذا الوحوشُ حُشِرَتْ"؛ فحَشْرُ الوحوش هو عند ابن عباس: موتها. ويقول الشيخ المراغيُّ في تفسيره: "وإذا الوحوشُ حُشِرَتْ" أيْ ماتت وهلكت. تقول العرب إذا أضرّتِ السنةُ بالناس وأصابتهم بالقحط والجدب: حشرتهم السنةُ، أي أهلكتهم". فالبحرُ المسجورُ، هوَ الفارغُ منَ الكائناتِ الحيّةِ، هو البحر الميّت. وهنا أضيفُ أقوالاً لبعضِ المفسرينَ، تقوِّي أنَّ البحرَ المسجورَ، هوَ البحرُ الميّت.

قال العلاء بن بدر‏:‏ إنما سُمّيَ البحرُ المسجورُ (وقصدُه هو البحر المسجور المُقْسَم به، أي البحر المراد في القسم): البحرَ المسجورَ؛ لأنه لا يُشربُ منه ماءٌ‏،‏ ولا يُسقى به زرع‏ٌ، وكذلك البحارُ يومَ القيامة‏. فالعلاءُ مدركٌ أنَهُ بحرٌ معيّنٌ، وأنَّ السجرَ المقصودَ فيهِ ليسَ منْ سجرِ يومِ القيامةِ. ولا ريْبَ أنَّ البحرَ الميّت لا يُستقى منهُ، ولا يُروى بمائِهِ. وقد كان البحر الميّت معهوداً للعرب، ومشاراً إليه في القرآنِ الكريم؛ إذ كانت قوافل قريش تمرُّ بمحاذاة جزء منه: "وإنَّ لوطاً لَمِنَ المرسلينَ. إذ نجّيْناهُ وأهلَه أجمعينَ. إلّا عجوزاً في الغابرينَ. ثُمَّ دمّرنا الآخَرينَ. وإنّكم لتمرّونَ عليهم مصبحينَ. وبالليلِ أفلا تعقلونَ" (الصافات: 133- 138).

وبأخذنا المسجور بمعنى: المحروق أو الموقدِ، وعلى اعتبار أن ماء البحر يُحرَقُ بالملح الكثير، أو تكون الأملاح قد جعلته يتأجّج محرقاً لاذعاً، فإن وصف بحر من البحار بالمسجور يعني أنه في حالٍ من الحرق، في حالٍ من الملوحة الحارقة التي لا تسمح بعيش الأسماك فيه، ولا تسمح لا ببقاء ولا بتولُّد سائر الحيوانات والأشجار البحريّة في مياهه. وحتّى شواطئ البحر الميت وعلى امتدادِها كلِّهِ هي أرضٌ جرداء كأنَّها تحكي ذكرياتِ احتراقٍ شديد.

[18] وعنِ ابنِ عباسٍ والسدّيِّ وغيرِهما: المراد بالمسجورِ هو: الممنوعُ المكفوفُ.

وغيرُ خافٍ أنَّ البحرَ الميّت مكفوفٌ عنِ الحياةِ بملوحتِهِ العاليةِ جداً، ممنوع من عيشِ الكائناتِ الحيّةِ فيهِ، ومكفوفٌ عنِ الاتصالِ ببقيّةِ البحارِ المفتوحةِ، فهوَ بحرٌ ممنوع عنِ الاتصالِ بغيرِهِ من مجامع المياه الكبيرة الواسعة. وكذلك فهو مكفوفٌ، مقارنةً بسائر البحار المفتوحة، عن جريان كثيرٍ من الرياح بسبب انخفاضِهِ. ويكاد يكون مكفوفاً محجوباً عن الأمطار بسبب سلسلة الجبال التي تقع إلى الغرب منه؛ إذ إن معدل الأمطار السنويّة التي تسقط على سطحه هي بضع عشرات من الملمترات[48].

وكذلك فإن البحر الميّت مكفوف عن التعرض لنسبة معتبرة من الأشعّة فوق البنفسجيّة والأشعّةِ تحت الحمراء، ولذلك هو آمَنُ بقاع الأرض في الاستحمام بأشعّة الشمس من غير التعرّض لمخاطر الإصابة بسرطان الجلد وغير ذلك؛ إذ إن كميّة الهواء فوقه، فوق وحدة المساحة، أكبر منها فوق سائر بقاع الأرض، وطبقة الأوزون من فوقه هي الأخرى أكثر تركيزاً للأوزون، علاوة على طبقة العجاج المتجمع فوقه على حساب تبخّر المياه منه، وتشكيل محاليل هوائيّةً aerosols في جوّه.

وتكتنف البحرَ الميتَ شواطئُ مكسوّةٌ بطبقة ملحيّةٍ زلقةٍ salty glaze لها تأثيرها في كفِّ الناس والحيوانات عن محاولة التخويض فيه؛ أي هو بهذه الطبقة قد يكون مكفوفاً عن الخوض في مياهه[49]. وهو مكفوف عن الغوص فيه؛ إذ إن كثافة مياهه العالية تجعله مكفوفاً عن أن يغوص فيه الإنسان، أو أيّ حيوان ما دام من يحاول الغوص على حاله الطبيعيّة، وهو مكفوف عن إغراق الناس في داخله. وكذلك هو مكفوف عن أن يُشربَ ماؤه، أو أن يُسقى به. وفوقَ كلِّ هذا، فالبحر الميتُ يكاد يكون مكفوفاً عن أن يكون مسكون الشواطئ، أو أن تكون سواحله الجدباء مسكناً للحيوانات إلاّ قليلاً. ونظراً إلى وجود الحفر الخسفيّة sink holesعلى رفوفه الساحليّةِ، ومنها قد ما قد يظهر فجائيّاً، فقد صار من المحظور أن تقامَ عليها الأبنية من فنادق أو مصانع، أي إن تلك الحفر الخسفيّةَ، وطبيعة تلك الرفوف الساحليّة، تجعلانِه مكفوفاً عن أن يكون معمور الشواطئ.

ويكاد يكون ممنوعاً عن الملاحة فيه، إذ إن إبحار السفن فيه وحتّى القوارب يكاد يكون منعدماً[50].

ولا ريْبَ أن البحر الميّت مكفوف عن الفيضان وغمرِ غيره من بقاع الأرض؛ لأن سطحه ورفوفه الساحليّة تشكل أخفض منطقة على سطح الكرة الأرضيّة، وهذا الانخفاض يجعل من المستحيل على مياه البحر الميّت أن تفيض منه إلى غيره؛ ولهذا يبقى مكفوفاً محجوزاً عنها. وماؤه مكفوف عن التجمُّدِ بسبب أجاجيّتِه الفائقة.

وهوَ لا ريْبَ، ولو في جزءٍ جنوبيٍّ منه، بحرٌ مكفوءٌ معَ المؤتفكاتِ، وهي قرى قومِ لوطٍ، عليه السلام؛ إذ إن الله تعالى قلب تلك القرى جاعلاً عاليَها سافلَها. والبحر المقلوبُ هو اسمٌ من أسمائه.

[19] المسجور: الذي اختلط عذبه بمالحه.

إن الامتداد الجغرافيّ أو المساحة الجغرافيّة التي يصل منها الماء المغذّي لأي مسطّح مائيٍّ تُسمّى: منطقة الاستجماع أو الاسترفاد the catchment area. ومع أن مساحة البحر الميّت قرابة 1000 كيلومتر مربع إلا أن منطقة الاستجماع التي تتبعه تبلغ نحواً من 41000 كيلومتر تصل إلى جبال القدس وشرقِ الخليل. ويصل إليه من هذه المنطقة مياهٌ عذبةٌ ومياهٌ معدنيّة مالحة، ولكنها في النهاية تختلط فيه[51].

وواقع الماء الداخل إلى البحر الميت هو فعلاً إمّا من مصادر عذبة، وإمّا من مصادر مالحة. ففي قاع البحر الميت 55 نبعاً حارّا مالحاً تدفع بمياهها في قعرِهِ، علاوة على مياه الينابيع المعدنيّة الحارّة المنتشرة على جنباته[52]. وأمّا نهر الأردنّ، ونهر الموجب، وسيول الشتاء، فهي تزوّده بماء عذب.

[20] المسجور: المصبوب؛ ففي "القاموس المحيط": سجر الماءَ أي صبّه. فالبحر الميّت بوضعه الطبيعيّ هو فعلاً بحرٌ مصبوب، وليس صابّاً أبداً ما دام محتفظاً بطبيعته الراهنةِ؛ لأنه بالنسبة لما يعرف بمستوى سطح البحر sea levelيشكل أخفض بقعة على سطح الأرض، فيصب فيه غيره، ولا ينصبُّ الماء منه إلى غيره، فماؤه مصبوب إليه ولا يصبّه هو إلى موضع آخر؛ فليس من موضع أخفض منه، أي إنه في وضعه الطبيعيّ موجودٌ في حال المصبوب فيه، لا في حال الصابِّ في غيره، أي هو مسجورٌ وليس ساجراً. وهذا الحال يعني أن البحر الميّت قائم في وضعٍ بحيث يكون مملوءاً من غيرِه من بقاع الأرضِ، وليس في وضعٍ يمكنه من أن يكون هو المالئَ لغيرِهِ، فهو في حال المملوءِ لا حال المالئ؛ والمسجور هو أيضاً المملوء.

وهو مغلق لا مخرج للماء منه، وبالتالي، فماؤه ما دامَ في حالة السيولة فإنه يظل فيه محبوساً؛ إذ إن الإغلاق سبيلٌ للحبس.

ويوصف البحر الميّت بأنه بحيرة طرفيّة endorheic lake terminal or، أي تشكّل مصبّاً sink lake لا مخارج له تسحب الماء منه[53].

[21] ويستعمل السجر في وصف السير الجادّ السريع، وفي وصف صوت الرعد، وفي وصف صوت حنين الناقةِ لولدِها. وإذا قارنّا سرعة الصوت في ماء البحر الميّت بسرعته في سائر مياه البحار والبحيرات، فإننا نجدها هي الأعلى؛ إذ إن الوزن النوعيّ لمائه هو أعلى منه لسائر تلك البحار والبحيرات، وهو أكثرها أجساماً صلبةً عالقةً، وهذان الأمران يجعلان ماءه هو الأعلى في سرعة سير الصوت. ومن هنا فالصوت في مياه البحر الميّت مسجورٌ، أو أن ماءه مسجور الصوت، أي إن الصوتَ محثوثٌ للسير فيه بأسرع مما في غيره من البحار.

والبعير المنسجر هو ذو السير المتتابع على سرعةٍ وانحثاثٍ، وكذلك فالبعيرُ المسجورُ هو المدفوعُ للسيرِ المتتابع السريع، هو المحرورُ بضرب السياطِ والعصيِّ ليَجِدَّ في السيرِ. ومن المعروف أن ماء نهر الأردنّ هو الأسرع في مياه الأنهار، وهذا الماء السريع يتتابع مسجوراً في دخول البحر الميّت فتتحرك مياهه عند مصبِّهِ منسجرةً مسجورةً أمامه، أيْ إن البحرَ الميّت مسجورٌ عند مصبِّ نهر الأردنّ فيه.

ويصف العرب الإنسان الخفيف الطائش بأنه سَجْوَريٌّ، وهو وصف مشتقٌّ من السجرِ. ويطفو الإنسان طائشاً في البحر الميّت دون أن يقوم بأيّ حركة من حركات السباحة والعوم، وهذا الطفو يشعر الإنسان بأنه طائشٌ خفيف؛ أي يمكن أن نصفَ البحرَ الميّت بأنه بحرٌ مُسَجْوِرٌ، يجعلُ الإنسانَ سَجْوريّاً، يُفقِدُ الإنسان وزنَهُ فيجعله طائشاً خفيفاً كأنه قطعة فلّينٍ.

[22] المسجور: المطوَّقُ. والساجورُ هو ما يوضع في عنق الكلب من قلادةٍ أو طوقٍ أو سلاسلَ حديديَةٍ. وعمليّة السجرِ هي تثقيلٌ للمسجور أو المُسَوْجرِ، هي تحديد لحركتِهِ أو لحجرِهِ.

والبحر الميّت محفوف من الشرق ومن الغرب بسلاسل جبليّةٍ تشكل له ما يشبه الطوقَ، أي إنه يبدو مسجوراً. والأملاح المترسبة على شواطئ البحر الميّت تشكل حوله طوقاً أو قلادةً وكأنّها سوار من لؤلؤ[54].

ويوصفُ من توضع الأغلال في عنقه بأنه مُسَوْجر أو مسجور. والأغلال أثقالٌ؛ فالمسجور بالأغلال واقعٌ تحت ثقلٍ، هوَ مضغوط بثقلٍ. ولا ريْبَ أن الضغط الجويَّ ثقلٌ. والبحر الميّت من هذه الناحيةِ مسجور؛ إذ إنه واقعٌ تحت أكبر ضغطٍ جويٍّ في العالم، إنه البحر المضغوطُ، أو لنقل: إنه البحر المسجور؛ إذ قد يصل الضغط الجويّ عليه إلى 810 ملمتر زئبق، في حين هو عند مستوى سطح البحر، على شاطئ يافا، مثلاً، 760 ملمتر زئبق.

وكثافةُ ماء البحر الميّتdensity (وزنه النوعيّ specific gravity) عالية نسبيّاً؛ فماؤه، قياساً إلى ماء غيره من سائر البحار، مشبع بالأملاح فكأنها أثقالٌ من الأغلال. والقيود والأغلال بما تمثله من ثقلٍ إن لم تعمل على منع الحركة فهي تعمل على تبطيئها. وبالنسبة لماء البحر الميّت فإن كثافته العالية، وطبيعة الأملاح التي فيه، تزيدان من لزوجته قياساً على غيره. وكلما زادت لزوجة السائل فإنّ جريانه يكون أبطأً؛ فاللزوجة في السائل تقلّل من سرعة الجريان كما تقلّل الأغلال من سرعة الإنسان. وإذا قارنا بين موجتيْنِ من نفس الحجم وتحت نفس السرعة للرياح، بحيث تكون إحداهما في البحر الميّت، والأخرى في البحر الأبيضِ المتوسط، مثلاً، فإننا نجد أن التي في البحر الميّت أثقلُ وذات زخمٍ أكبر.

[23] المسجور: المحفوف بالسُّجَرِ. والسُّجرُ هي جمع السُّجْرة، مثل الخُبْرةِ والخُبَرِ. والسُّجرةُ هي الحفرة التي تأتيها مياه من سيلٍ أو ما شابه ثمَّ تغور منها بعضاً أو كلّاً.

وتنتشر حول البحر الميّت آلافٌ من الحفرِ الغوْريّة[55] أو المَصَبيّةِ sink holes، وقد يسمّيها البعض: الفجواتِ الخسفيّة[56]، وهي حفرٌ تنحفر تلقائيَاً في شواطئه لأسبابٍ مختلفةٍ، وقد تظهر فجائيّاً وعندئذٍ قد تبتلع من يتّفق وجوده فوقها وكأنها بواليع، وتبدأ عادةً ممتلئةً بالماءِ ولكنه يغور منها بالتبخّر، وعندما تجفُّ صيفاً فإن سيول الشتاء والفيضانات في موسم الشتاء التالي قد تعيد ملأها، ثم تجفّ من جديد. وأكثر ما تظهر في الصيف بسبب تراجع مستوى الماء نتيجة للتبخّر، وهي تزداد على طول شواطئ البحر الميّت في سنوات الجفاف. وتُعرف تلك الحفر باسم: حفر التجميع، أو الحفر الغوريّة sink holes or sinks، ولا توصف بهذا الوصف إلاَ إذا كانت تستقبل الماء من سيلٍ سطحيٍّ[57]، أيْ إتّه ينطبق عليها تعريفُ السُّجَرِ.

واعتماداً على الموسوعة البريطانيّة[58]، فإن مستوى سطح البحر الميت في عصر النبوة قد كان أخفض من مستواه في نهاية القرن العشرين بحوالي 35 متراً، وهذا معناه أنه قد كان عصرَئذٍ محفوفاً بعدد هائلٍ من السُّجرِ.

[24] الماء المسجور: الماء الغليظ.

جاء عن عليٍّ، رضي الله تعالى عنه، أن البحر المسجور هو بحر تحت العرش ماؤه غليظ. والمقصود بالماء الغليظ هو الكثيف الثقيل اللّزج. ولا ريْبَ أنَّ ماء البحر الميت هو ماءٌ غليظٌ؛ إذ إن كثافتَهُ النوعيّةَ هي الأعلى بين مياه البحارِ، ولزوجتَه عالية بشكلٍ فائقٍ.

[25] والسجر هو حنين الناقة الممدود في إثر ولدها، هو صوتها المتصل في حنينها إليه إذ تناديه؛ فالناقة ساجِرةٌ وولدُها مسجورٌ، وقد يجيب الحُوارُ نداءَ أمِّه بصوتٍ مستعطفٍ. وعلى هذا، فالسجر يكون تبادلاً للحنينِ بين الناقة وفصيلها، تبادلاً فيه الرقةُ، تبادلاً تثيره حرارة الشوق فينقله الهواء أصواتاً أمواجاً. وليسَ مستغرباً أن نعتبرَ أن حال البحرِ الميّت بالنسبة للبرِّ من حولِهِ هو مثل حال الحُوار بالنسبة للناقة أمِّهِ؛ أليسَ البرُّ من حول البحر الميّت هو الذي يُرضعُه؟

ما من ريْبٍ أن بين البحر الميّت والبر المحيط بهِ تبادلاً لنسيم البحر والبر؛ إذ في النهار تهبُّ النسائم الرقيقة من البحرِ الميّت إلى البرِّ من حوله، وفي الليلِ ينعكس الأمر فتهب النسائم من البرِّ من حول البحر الميّت عابرةً إليه[59]. وكلُّ تلك النسائم تحمل معها أصواتاً ذات رقّةٍ وحنينٍ.

[26] المسجور: المجعول مؤتلفاً متقارباً، فالسجر يدلُّ على الائتلاف والتقارب[60].

ومن حيثُ خلوُّ البحر الميّتِ من الكائنات الحيّة فلا يوجد فيه أيُّ تفاوت، فلا اختلاف في انعدام الكائنات الحيّة المنظورة بين أيِّ موضعٍ منه وسائر المواضع. وبعيداً عن مصبِّ نهر الأردن، فإن الإنسان يطفو في أي موضع منه. وهو بكامله سطحٌ مائيُّ، لا تجد فيه جُزُراً، فلا ترى في سطحه من تفاوتٍ، بل جميع مناطق هذا السطح هي على ائتلاف من حيث إنَّها كلَّها مائيّة لا يابس بينها.

[27] المسجور: المجعول سجيراً للناس، أي صديقاً وخليلاً؛ إذ يطفو فيه الإنسان بدون بذل أيِّ جهد، وكأنه امرؤٌ زاره خليله فاستقبله ضيفاً وأراحه من كلِّ عناءٍ، حاملاً له على أكُفِّ الراحةِ؛ إذ هو يكرم الإنسان برفعِهِ ولا يذهب به إلى الأسفل غرقاً، وكأنه أريكة من الأرائك أعدها صديق وفيٌّ لصديقه تكرمةً وتبجيلاً. والصاحب الوفيّ لا يقبل أن يغرقَ له صاحبٌ، ولا يعمل أبداً على إغراق صاحبه.

ومنطقة البحر الميّت هي أقلّ بقاع الأرض تعرّضاً للأشعة فوق البنفسجيّة المؤذية للإنسان[61]، أيْ هو من هذه الناحية يُحسن إيواء الإنسانِ في أمانٍ، وكأنما يُدخلُ الوافدين إليه في ظلٍّ أمينٍ. والبحر الميّت يكاد لا يشهد الأمواج؛ مما يهيّء جوّاً هادئاً ساكناً، فهو قلّما يسبب إزعاجاً. والمرء الوفيُّ لا يزعج صديقه إلا اضطّراراً، بل هو يحفظ عليه الهدوءَ، ويستجلب له كلَّ دواعيه. والصديق الوفيُّ يُذهبُ عن سجيره لوعةَ الأحزانِ ولذعةَ الاكتئاب، يواسيه ويسرّي عنه ويسلّيه. وهكذا يفعل البحر الميّت؛ إذ إن في جوّهِ وفي مائه ما يُذهب التوتّراتِ، ويهدّئُ النفوس، ويريحُ العضلاتِ.

وفي البحر الميّت خيرات وبركات، وينشط الدورة الدمويّة، ويشجع على تجديد الأنسجة الحيّة؛ وأملاحه للشفاء والغذاء والسماد، وطينه علاج، وفي المكوث فوق مياهه أو من حوله راحة نفسيّة وروحيّة، وتمتع بالمشاهد الطبيعيّة الخلّابة. وهو دوماً يرحّب بالناسِ على حرارةٍ مستقبلاً لهم في أحضانٍ دافئةٍ، وعيونٍ "دموعها" ساخنةٌ كأنما أحماها الشوقُ وفرحُ اللقاء.

وإذا عدنا إلى ما قاله ابن فارس في "معجم مقاييس اللغة" وهو أن السين والجيم والراء (سجر) أصول ثلاثة: الملء والمخالطة والإيقاد، وأردنا تطبيقها على البحر الميّت فإننا نجدها تنطبق عليه تمام الانطباق؛ إذ إن خلوّه من الكائنات الحيّة عائد إلى أًجاجيّتهِ العالية بشكلٍ فائق، وأن تلك الأجاجيّةَ واصلةٌ درجةَ الامتلاء والإشباع، وهو بذلك مملوءٌ بالقدرة على كفِّ تلك الكائنات الحيّة عن العيش فيه. ونجد أن تلك الأجاجيّةَ تتمثل في اختلاط مياهه بالأملاح اختلاطاً فريداً؛ إذ إن ذلك الاختلاطَ يبيّن وجود 12 ملحاً منها لا توجد في مياه أيّ بحر آخر. وأمّا سبب علوِّ تلك الأُجاجيّةِ من خليط الأملاح التي فيه وصولاً إلى حدِّ الإشباع والامتلاء، فهو التبخّر الشديد لمياهه، وهذا التبخّر راجعٌ إلى توافر عوامل التسخين واكتسابه الحرارة منها، أي إن هذا التبخر هو في النهاية نتيجة إيقاد. ويبدو لي أن الإيقاد هو أهمُّ معاني السجر، أو هو أكثرها استعمالاً؛ كما في قولِ الله تعالى في عذاب الكافرين: "في الحميمِ ثُمَّ في النارِ يُسجَرونَ" (غافر: 72)، وكذلك فقد جاء الفعل سجر في الحديث الشريف ستَّ مراتٍ، ثلاث منها ترتبط بذكر جهنم، والثلاث الأخرى ترتبط بذكر التنّور[62].

فضائل البحر الميّت وتفرّداته ومنافعه

إن إقسام الله تعالى بشيء معيّن له نظائرُ، يعني تشريفه من بينها لحكمةٍ هو أعلم بها، أي إن القسم به هو إشعار بفضائله، أو بما يتفرّد به، وكذلك هو تذكير وتنبيه إلى منافعه. وهذا بدوره يعني أنه إذا كان البحر المسجور هو البحر الميّت، فإن القسمَ به هو إشارة إلى أن له فضائل على سائر البحار، وإلى تفرُّده من بينها ببعض الأمور، وأنه ذو منافعَ للناس. فأين هي فضائل البحر الميّت؟ ما هي الميزات أو الخصائص التي يفضُل بها سائر البحار؟ ففي أيِّ الأمور يسجل البحر الميّت أرقاماً قياسيّةً، أو قيماً طرفيّةً، إمَّا بالحدِّ الأقصى وإمّا بالحد الأدنى superlatives؟ وما هي الأمور التي يتفرّد البحر الميّت بالاتصاف بها أو حيازتها؟ وما هي المنافع التي يقدّمها للناس؟

أولاً- فضائل البحر الميّت

أكثر البحار ارتباطاً بالديانات السماويّة، وبالتالي، هو أعظمها مباركة:

"ونجّيناهُ ولوطاً إلى الأرضِ التي باركْنا فيها للعالمينَ" (الأنبياء:71)

أقلّ البحار كائناتٍ حيّةً – أمحل البحار[63]، وأقلّها تلوثاً بالإخراجات والجراثيم.

كائناته الحيّة من أبسط الكائنات الحيّة[64].

أعلى البحار في معدل التبخّر[65].

أخفض بقعة بالنسبة لمستوى سطح البحر[66].

أكثر البحار في أنواع الأملاح المذابة[67].

أملح البحار والبحيرات[68] (بعض المصادر يعتبره الأملح، وبعض المصادر يعتبره ثاني أملح البحيرات).

أكثر البحار في نسبة محتواها من البروم[69].

أعمق البحيرات المالحة [70].

أقلّ البحار احتمالاً لللتجمد[71].

أعلى ضغط جويّ في العالم موجود فوقه (أثقلُ مناطق الأرضِ سماءً)[72].

أعلى درجة غليان للماء على سطح الأرضِ هي عند شواطئه، وبالتالي، فالبخار الصاعد منه أعلى بخار البحار في درجة الحرارة[73].

أقلّ البحار المالحة في نسبة ملح الطعام إلى بقيّة الأملاح[74].

يأتي منه أجود أصناف ملح الطعام[75].

أكبر منتجع صحيّ طبيعيّ في العالم[76].

أنجع المنتجعات الصحيّة الطبيعيّة في علاج عدد كبير من الأمراض، وبخاصّة الجلديّة[77].

جوّه يحوي أعلى نسبة من الأكسجين موجودة في هواء العالم، وبالتالي، فهواؤه أقوى هواء على الإشعال[78].

جوّه يحتوي على أعلى نسبة من البروم[79].

أكبر البحار كثافة نوعيّة[80].

أقل نسبة لتآكل الأوزون في طبقة الأوزونوسفير موجودة في سمائه[81].

آمَنُ منطقة في العالم للتمتّع بحمام شمسيٍّ sunbathing؛ لأنه أقلُّ جوٍّ في العالم في الأشعة فوق البنفسجيّة المؤذية سرطانيّاً (harmful UVB rays, 290-320 nanometers.)، وأكثرها غنىً بالأشعة فوق البنفسجيّة المفيدة( therapeutic UVA rays, 365-400nm)[82].

أمرُّ البحار[83]. وتعود المرارة إلى وجود كلوريد الماغنيسيوم.

أكبر البحار طفواً[84] buoyancy and undrownability – (أقدرها على التطييش).

أعلى تركيز للأيونات، وبالتالي، أعلى ضغط أسموزيّ هو في مياهه[85].

أكثر البحار أجساماً صلبة (بلّورات) عالقة في مائه[86].

أغنى البحار في الثروة الملحيّة والفوسفات – أكبر مستودعاتها[87].

أسمك البحار قعراً ملحيّاً[88].

أكثر البحار ترسيباً لكلوريد البوتاسيوم[89].

أكثر البحار تلألؤاً[90].

أعظم البحار حبساً لمائه ما دام سائلاً[91].

أول حرب من أجل المواد البتروليّة جرت في العالم كانت بسبب الزفت الذي يخرجه، وكان ذلك بين السلوقيّين والأنباط سنة 312 قبل الميلاد[92].

أقلّ البحار حرارة نوعيّة specific heat[93]، ولذلك هو أكثرها استعداداً للتسخين وسرعته.

أغنى البحار بمركبات العناصر المشعّة[94].

يقع في أطول صدع إزاحيّ قاريّ في الأرض[95].

أعظم البحار إيصاليّةً للكهرباء.

أسرع البحار في نقل الأمواج الصوتيّة.

أسرع مناطق العالم في إنضاج الطعام غلياناً في الماء.

أكثر مناطق العالم توفيراً للوقود في طهي الطعام.

أكثف هواء فوق بحار العالم موجود فوق البحر الميت وعند شواطئه، وبالتالي، أعلى معدل نقل حراري بين جسم الإنسان وبين الهواء هو في منطقته.

بجواره أكبر جبل ملحيّ في العالم، وهو جبل أصدم[96].

بجواره أقدم مدينةٍ في التاريخ، وهي أريحا.

يصبُّ فيه أسرع نهر في العالم.

أكثر البحار أسماءً.

شهد محيطه أكبر عدد من المعارك جرت في التاريخ المسجل.

وبجواره عُثرَ على أقدم نسخة من التوراة في أضخم مكتبة أثريّةٍ لأعجب طائفة دينيّةٍ في التاريخ، وهي طائفة الأسينيّين Essenesصاحبة مخطوطات البحر الميّت Dead Sea Scrolls، تلك المخطوطات المسطورة على رُقوقٍ منشورةٍ، والتي بقيت مخبوءةً في كهوف قمران من القرن الثاني قبل الميلاد إلى عام 1947 م. وبالعثور على تلك المخطوطات فقد أصبح ذكر البحر الميّت مقترناً بكتبٍ مسطورةٍ في رُقوقٍ منشورةٍ.

أقدم موضع سمح فيه مجتمع بشريّ بممارسة الشذوذ الجنسيّ بين الذكور:

"إنكم لَتأتونَ الفاحشةَ ما سبقَكم بها مِنْ أحدٍ منَ العالمينَ" (العنكبوت: 28).

وهذا العدد من "القيم الطرفيّة"، سواء بالحدّ الأعلى أو الحدّ الأدنى، يجعل من البحر الميّت البحرَ صاحبَ أكبر رقم من الأرقام القياسيّة المرتبطة بخصائص وأمورِ البحار.

وبناءً على ما سبقَ، فإن البحر الميت هو أسجرُ البحار، وأجمعها لمعاني السجر، ولهذا كان جديراً أن يوصفَ بالبحر المسجور. ومما لا ريْبَ فيهِ أن ماءَه يسجرُ النباتات ويسجر العيون والجروح؛ إذ إنَّ الأملاحَ سَجورٌ لها، فهو مسجورٌ بها وساجرٌ بها.

وقد يرى البعض أن افتقار البحر الميّت إلى الأسماك وغيرها من الكائنات الحيّة أمرٌ يجعل سائر البحار خيراً منه؛ إذ هو أمحلها، ولكن فيه ما يعوّض عن ذلك مرّات ومرّات. أليستْ مكّةُ مباركةً مع أنّها في وادٍ غيرِ ذي زرعٍ؟

ثانياً- تفرّدات البحر الميّت

هناك أمور عديدة يتفرّد البحر الميّت بالاتّصاف بها، وأظهرُها:

1- متفرِّد في مجموعة ظروفه المناخيّة؛ إذ إن سطحه هو أخفض منطقة عن سطح البحر، وفوقه أكثف طبقة من الغلاف الجويّ، وبالتالي، أعظم ضغطٍ جويٍّ في العالم، وسماؤه هي أقلُّ سماءٍ في العالم تآكلاً في الأوزون[97].

2- متفرّد في خليطه من الأملاح؛ إذ إنه يوجد بين المواد الذائبة فيه 12 مادّة غير موجودة في غيره من سائر البحار والبحيرات[98].

3- ارتباطه بالديانات السماويّة الثلاث، وبالحضارات القديمة.

4- الخلوّ الكامل الشامل من الكائنات الحيّة المنظورة بمفهومِها غير المجهريّ.

5- المكان الوحيد في العالم الذي يجمع كل عناصر الجذب السياحيّ الطبيعيّة، وهي: المناظر الخلّابة، والذكريات الدينيّة، والأحداث التاريخيّة، والمنافع الاستشفائيّة[99].

6- طينه فريد في تركيبه وفريد في تأثيره الطبيّ[100].

7- المكان الوحيد في العالم الذي يمكن أن يتمَّ فيه الاستحمام الشمسيّ لأطول مدّة ممكنة دون حدوث تأثيرات سرطانيّة[101].

8- نظام بيئيّ فريد[102].

9- ويتفرَّدُ بتركيبه الأيونيّ [103].

10-والبحر الميّت ظاهرة جيولوجيّة فريدة[104].

ثالثاً- أسماء البحر الميّت وشهرته وأهميته ومنافعه

تعود المعرفة التاريخيّة بالبحر الميّت إلى عهود قديمة جدّاً؛ إذ تقع بجوار طرفه الشماليّ أقدمُ مدينةٍ في التاريخ، وهي أريحا. وقد عرفه الفراعنة واستوردوا منه الملحَ، والقارَ ليستعملوه في تحنيط موتاهم. وذكرته التوراة، واهتم به الأنباط والأسباط والفرس واليونان والرومان والمسلمون من بعدهم. ويوجد في إحدى كناتس مدينة مأدبا الأردنيّة خريطة فسيفسائيّة شهيرة تُظهر القسمَ الشماليَّ من البحر الميّت، وهي تعود إلى القرن السادس بعد الميلاد.

ونظراً لتعاقب الأمم في السيادة على البحر الميّت، ونظراً لعجائبه وفوائده، فقد تعددت أسماؤه، ومنها: بحر لوط، بحر القطران، بحر القار، بحر الأسفلت، بحر الزفت، بحر زغر، بحر سدوم، بحر عمورة، بحر سدوم وعمورة، بحر الشيطان، بحر التنين، بحر الطين، البحر الشرقي، بحر الملح، بحر الموت، البحر الميّت، البحر المميت، بحر العربة، بحر القفْر، بحر السهل، البحر المنتن، البحر المقلوب، بحر السِّديم، والبحر القديم. ومن الجدير بالذكر أن اليونان هم الذين سمّوْه باسم: "البحر الميّت"، وذلك قبل ميلاد المسيح عليه السلام[105]. ونجد أن البعض يذهب إلى اعتباره بحيرةً، ولذلك فإنه يمكن أن نستبدل كلمة البحر بكلمة البحيرة في جميع الأسماء السابقة. ونلاحظُ أن عدداً من تلك الأسماء يشير إلى السجر بمعناه من الإيقاد والوقْدِ والحرقِ صراحةً أو ضمناً. ولا بدَّ لنا أن نلاحظ إلى أن عظمة البحر الميت وتناوب الأمم عليه قد أدّيا إلى تعدّد أسمائه؛ إذ إنه من المعروف أن كثرة أسماء الشيء الواحد هي دليل على شرفه ومكانته، وإدراك خصوصيَاته وما يتفرّد به.

ومن الجدير بالتنبيه أنّه قد جاء ذكر بحيرة زغر في السنة النبويّة[106].

ومنذ القدم والبحر الميّت يحظى باهتمام الملوك والأباطرة من حوله؛ إذ إن الملك داود قد التجأ إلى شواطئه، ومنه أو من حوله أخذ سليمان بعضاً من الهدايا التي أرسلها إلى بلقيس ملكة سبأ. وقامت الملكة كليوباترا بالسيطرة عليه على يد حبيبها مارك أنتوني، واستوردت من منطقتهِ موادَّ تجميلٍ وعطوراً مثيرةً للجنس، تسجُرُ الرجالَ سجْراً، فإذا بالواحد منهم قد قام إليها هائجاً مسعوراً، أو وقف أمامها مستسلماً مسجوراً. وقد اتخذ هيرود الكبير على شواطئه منتجعاتٍ للاستشفاء والاستجمام. وسكن في جواره أو مرَّ به إبراهيم ولوط وموسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى ومحمد، عليهم السلام؛ فهو متعطّر بذكريات الأنبياء، ومتدثرٌ بالعبر والعظات. والبحر الميّت منتجع طبيعيّ عظيم للاستجمام، والاستحمام الشمسيّ، وللسياحة، وللسباحة بكل راحة. وماؤه وطينه ومناخه ذات منافع طبيّة واستشفائيّةٍ للناس والأنعام. وكم وكم أخذوا منه زفتاً وقاراً للاستدفاء والاستضاءة وصنع مقذوفات اللهب. وفي جماله الطبيعيّ وسكونه متعة جسميّة وروحيّة وأفق رحيب للتأمل. وفوق هذا وذاك فإن له أهميّةً اقتصاديّةً جليلةً ذاتَ شعبٍ كثيرةٍ، منها:

1) هو مصدر كبير للفوسفات والكبريت، وللبوتاس الذي منه تصنع أجود أنواع الأسمدة.

2) وهو مصدر هائل لمركبات تدخل في إنتاج موادِّ التجميل، وصناعات دوائيّة عديدة، فكم وكم تداوى الجربى بقطرانه!

3) وهو مستودع عظيم لمعادن هامّة كالمغنيسيوم الذي قد يكون بديلا للحديد في أعمال البناء.

4) وهو مستودع هائل لأجود أنواع ملح الطعام.

5) ومنه يستخرجون الراديوم والثوريو م والراديوم مما يوقدون في الأفران النوويّة.

6) وهو يزوّد الناس باليود، وبالكلور الذي به يعقّمون مياه الشرب.

7) وعليه يعتمدون في صناعة كثير من المنظفات.

8) وهو يبشر بثروة بتروليّة عظيمة.

لماذا القسم بالبحر الميّت؟

وظيفة القسم هي توكيد الإخبار، توكيد جواب القسم. ويمتاز المُقْسَمُ به على غيره، وبخاصّة من نظرائه، بفضائله أو منافعه[107]. فما هو الإخبار الذي جاء القسم بالبحر الميّت توكيداً له؟ وماذا في ثنايا هذا القسم علاوةً على التوكيد؟

الإخبار هو قول الله تعالى في جواب القسم: "إن عذابَ ربِّكَ لَواقعٌ. ما لهُ مِنْ دافعٍ". والعذاب المقصود هنا هو عذاب يوم القيامة، وليس عذاب قومٍ بعينهم؛ إذ إن قول الله تعالى "يومَ تمورُ السماءُ موْراً. وتسيرُ الجبالُ سيْراً" تالياً لذكر وقوع العذاب، هو قرينةٌ على أنه عذاب يوم القيامة.

وفضلاً عن توكيد الإخبار بوقوع يوم القيامة فإن في ثنايا القسم بالبحر المسجور، باعتباره البحر الميّت، أموراً كثيرةً منها:

1- التذكير بعذاب قوم لوط تهديداً لقوم الرسول بأن الله قادر أن يصنع بهم مثلما صنع بأولئك المجرمين، وما هم منهم ببعيد، لعلهم يعتبرون ويتعظون.

2- التسرية للرسول، عليه السلام، والتصبير للمؤمنين.

3- التصوير لما سيكون عليه حال الأرض الجرز، والبحر الجرز، من خلال مثال البحر الميّت، إشعاراً بقدرة الله تعالى على تحقيق وعده بقيام الساعة في أجلها المسمّى.

4- التعريف بأن البحر الميّت واقع في إطار الأرض المباركة، وأنه ليس أرضاً ملعونةً؛ إذ هو واقع في أكناف بيت المقدس، وأن هذه الأرض هي مقدّسة كطور سيناء، ومكّة المكرمة.

5- التنبيه إلى أنَّ البحر الميّت موجود من قبل وقوع العذاب بقوم لوط.

6- التذكير بعظمة اللهِ تعالى، وأنَّه لا مانع لما أراد.

7- الإشارة إلى أنَّ البحر الميّت هو بحدِّ ذاته آية تدل على أنَّ نواميس الطبيعة محكومة بأمر الله، ولا تجري إلا بقدَره.

أوجُهُ الإعجازِ في "والبحرِ المسجورِ"

قد يسأل سائلٌ فيقول: ولكن ما دام البحر المسجور هو البحر الميّت، فلماذا أقسم الله تعالى بالبحر المسجور، ولم يقسم صراحةً بالبحر الميّت؟ ما هي أوجه الإعجاز في التعبير عن البحر الميّت بالبحر المسجورِ؟

مع أن البحر الميّت كان معروفاً للعرب باسمه هذا أو بغيره، فإن القسمَ به من خلال وصفه بالمسجور قد كان مقصوداً؛ إذ إنّه في هذا الوصف يتبيّن أن القرآن الكريم ليس من عندِ محمدّ، عليه السلام، وإنّما هو من عند الذي أحاط بكل شيءٍ علماً.

ولو جاء القسَمُ بالبحر الميّت باسمِه هذا صراحةً، فإن الفكر في أمره سينحصر، على الأغلب، في سبب التسمية، أي سيكون هناك لفتة واحدة وهي إلى خلّوه من الكائنات الحيّة، في حين إن التعبير عنه بالبحر المسجور يجعل هناك رزمة من اللفتات المتألّقة تستدعي تحصيلَ معلوماتٍ موسوعيّةٍ عنه وعن سائرِ البحار، وتستدعي دراسةً دقيقةً مقارِنةً بينه وبين سائر البحار أيضاً. ومثل هذه الدراسات والمقارنات هي في النهاية شهادة للقرآن الكريم أنّه لا يأتيه الباطل لا من بين يديْهِ ولا من خلفه، وأنّه تنزيل الذي أحاط بكل شيء علماً؛ لأنه أنّى لمحمّدٍ، عليه السلام، أن يجمع البحر الميّت ويصوغَهُ في كلمةٍ واحدةٍ تحيط به جيولوجيّاً وكيماويّاً وفيزيائيّاً ومناخيّاً وبيئيّاً وجغرافيّاً وطبوغرافيّاً وبنيويّاً ودينيّاً وتاريخيّاً؟ وأنّى لمحمّد، عليه السلام، أن يجعل كلمةً واحدةً تنوب عن كتاب واسع مسطور يحدِّث عن أسرار وأخبار البحر الميّت؟

وأكرّر قائلاً: قد يسأل سائل فيقول: ما دام البحر الميّت معروفاً بهذا الاسم من قبل المسيح، عليه السلام، فلماذا جاء القسمُ قاصداً له باسم: "البحر المسجور"؟

يبدو أنه لم يكن "البحر الميّت" مشتهراً عند العرب بنفس هذا الاسم الذي أطلقه عليه اليونان قبل انتقال السيادة عليه إلى الرومان الذين سمّوه: "بحر الأسفلت". وإن كثرة أسماء البحر الميّت هي دلالة على شهرته، وأهميّته، وأنَّ له في دفترِالتاريخِ صفحاتٍ تحدّثُ عنه.

لم يذكر القرآنُ الكريمُ البحر الميّت باسم يعرفونه هم أو غيرُهم؛ إذ هو من الأرضِ التي بارك فيها للعالمين؛ بل إنه ذكره بوصفٍ يجعلهم - لو أرادوا التعيينَ- يحتملون بأنه هو المقصود، ولو على غير حسمٍ وجزمٍ؛ لأن معلوماتهم عن البحار كانت يومئذٍ غير شاملة، ولكن عندما تكتمل المعلومات عن البحار مستقبلاً من بعد نزول القرآن الكريم، بحار كامل الكرة الأرضيّةِ، فإنه سيكون هناك مجالٌ للتحديدِ، والتأكيدِ على أن بحراً واحداً في الأرض كلِّها يستأهل أن يقال عنه: "البحر المسجور". وهذا التحديد لا يتأتّى إلا بالمقارنة الشاملة للمعلومات الموسوعيّة الدقيقة عنه وعن سائر البحار؛ إذ هو حتماً بحر معيّن موجود في الكرة الأرضيّة:"سنُريهم آياتِنا في الآفاقِ وفي أنفُسِهم حتّى يتبيّنَ لهم أنهُ الحقُّ أوَ لمْ يكفِ بربِّكَ أنَّه على كلِّ شيءٍ شهيدٌ" (فصلت: 53).

وباعتبار أن البحر المسجور هو بحر بعينه، فيكون من أوجُهِ الإعجازِ أنه لا ينبغي أن يكون هناك إلّا بحر واحد متفرّد في التميز باستجماع معاني "المسجور"، وفي التفرّد بقسمٍ منها أو حيازة الحدّ الطرفيّ من الاتّصاف بها، إمَّا من الأعلى وإمَّا من الأدنى. فمن أين لمحمدّ، عليه السلام، يومئذ معلومات عن كل بحار الأرض، وما كان العالم الجديد قد اكتُشف بعد، بحيث يخصّص أحدها بمجموعة من الخصائص بحيثُ يتفرّد بها؟.. بل أنّى لمحمدّ، عليه السلام، لو كان القرآن من تأليفه، أن يستجمع أوصاف البحر الميّت في كلمة واحدةٍ؟

ولو أنَّ القسَمَ بالبحر الميّت قد جاء باسمه: (والبحرِ الميّت)، فإن هذا القسمَ سيكون مجرد لفتةٍ إلى خلوّه من الكائنات الحيّة المنظورة، في حين إن القسم به على أنه البحر المسجور قد جعلنا نلتفت إلى وجوهٍ كثيرةٍ يتميّز بها البحرُ الميّت نفسُه، أي إن القسم بالبحر المسجور تعبيراً عن البحر الميّت قد قدّم لنا هذا البحرَ في كلمةٍ واحدةٍ، ولكن بشكلٍ موسوعيٍّ في منتهى الدّقة والشمول، متضمنةً مقارَنةً دقيقةً بينه وبين سائر البحارِ، لا من خلالِ ما كان معروفاً عنه في القرن السابع الميلاديِّ فحسْبُ، بل ومن خلال ما قدّمت عنه العلوم الحديثة من معلوماتٍ دقيقةٍ أيضاً.

إن جمع القرآن الكريم لكل مواصفات وميّزات وخصائص بحر معين في لفظ واحد هو أمر ليس في وُسع الإنسان أبداً؛ لأن ذلك يتطلّب دراسة موسوعيّة دقيقة للبحر نفسه ولسائر البحار، ودراسةً مقارِنةً دقيقةً بينه وبينها، وإحاطةً شاملةً بذلك اللفظِ معجميّاً، وهذه أمورٌ لم تكن في متناول الرسول، عليه السلام، ولا في متناول غيره من الناس طُرّاً.

فمن أين لمحمّد، عليه السلام، أنْ يعرف أنَّ الضغطَ الجويَّ فوق سطح البحر الميّت هو الأعلى في العالم، وما كان في عصره "بارومترات"، ولا معرفة بعلاقة الضغط الجويّ بالارتفاع والانخفاض عن سطح البحر؟

ومن أين لمحمّد، عليه السلام، أنْ يعرف أنَّ مياه البحر الميّت لا تستطيع الخروج منه إلى أيِّ موضع آخر؟ من أين له أن يحيط في ذلك الزمن بجغرافيّة البحر الميّت التي لم تتيسر للناس من قبل القرن التاسع عشر؟ من أين له معرفة عن ارتباط جريان المياه في الأرض بما يسمى: مستوى سطح البحر؟ أما تبيّنَ مما تقدّمَ أن كل ما يتميز به البحر الميّت ويتفرّدُ بهِ، أو له فيه الحدُّ الطرفيُّ، هو مما يدخل في معاني السجرِ صراحةً أو ضمناً؟ أوليسَ هو دون غيره الجديرَ بأن يُعرفَ بالبحر المسجورِ عوضاً عن كلِّ ما أعطاه الناسُ من أسماء، وتعريفاً بكل ما له من خصائص؟

وباختصارٍ، فإنَّ تخصيص بحر بوصف معين دون سائر البحار بحيثُ يجعله متفرداً بالأولويّةِ في استحقاق ذلك الوصف من دونها، هو تخصيص يعني معرفة الواصف بجميع بحار الأرضِ، ومعرفته أيضاً بمدى استحقاق كل بحر منها من ذلك الوصف على وَفقِ أدقِّ المعاييرِ. وكذلك فهو يعني أنَّ الواصفَ أجرى مقارنةً دقيقةً بين تلك البحار لتحديدِ أيُّها أوْلاها بذلك الوصفِ، وأعلاها استحقاقاً له. وعلاوةً على كلِّ هذا، فهو يعني إصدار الواصفِ لحكم جازمٍ بأنَّ ذلك البحر هو فعلاً الأجدر أن يكون مذكوراً بذلك الوصف كأنّه له اسمٌ يميزه. وإصدار مثل هذا الحكم هو تذكيرٌ بعجز الآخرين عن الإتيان بما يثبت خلافه، أو بطلانه.

خلاصة ختاميّة

إن البحر في قول الله تعالى: "والبحرِ المسجورِ" هو أحدُ احتماليْنِ: فإما أنه اسم جنس، أي تدخل فيه كل البحار، كما في قولِ الله تعالى:"قل لو كان البحرُ مِداداً لكلماتِ ربّي لَنفِدَ البحرُ قبل أن تنفَدَ كلماتُ ربّي ولوْ جئنا بمثلِهِ مَدَداً" (الكهف:109)؛ وإمّا هو أحد البحار بعينه. وقد ذهب المهتمون بالإعجاز العلميّ إلى اعتباره اسمَ جنسٍ، وإلى اعتبار أن المسجور بمعنى: الموقد، أي الذي تحته نارٌ. وكأن هؤلاء قد ذهبوا إلى أن ذلك التسجيرَ الذي يحملُ عندهم معنى الإحماء والتسعير، هو تعزيزٌ وتكثيرٌ لسجْرٍ كان جارياً من قبل أن تجيءَ تلكَ الأشراطُ، وكأنهم يعتبرون أن البحار تكون مسجورةً قبل أن تأتي أشراط الساعة، ولكنها ستصير مسجّرةً حينما تأتي تلك الأشراط، لا أن ذلك التسجير يكونُ ابتداءً. وأمّا هذا البحث فيذهبُ إلى أن البحر المسجور هو بحرٌ بعينِهِ، وأنه البحر الميّت تحديداً.

وعلى كل حالٍ، ومعَ اطمئناني إلى رشادِ أدلتي في البرهنة الجليّةِ على أن البحر المسجورَ هو بحرٌ مخصوصٌ، وأنه البحر الميّت تعييناً، فإنه نظراً لكون القرآن الكريمِ حمّالَ أوجُهٍ، فإنني أعتبر أن ما قدمته هو مجردُ محاولةٍ في جعلِ هذا الرأي قولاً ذا وجهٍ سويٍّ يقابل به الناسَ مستبشراً بالتفضيلِ فالقبول. ولكلِّ امرئٍ فيما يرجِّحُ مذهبٌ، ومن طبعِ ذوي النزاهةِ أن يجعلوا الأرجح هو الأنجح، وما يذكّرُ إلّا أولو الألبابِ. واللهُ أعلمُ. وآخرُ دعوايَ أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ.



[3] ابن منظور، جمال الدين محمد بن مكرم: لسان العرب، دار الفكر- بيروت، المجلد الرابع، مادة: حشر.

[4] القرطبي، أبو عبد الله، محمد بن أحمد الأنصاري: الجامع لأحكام القرآن، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط3، 1987، ج19،ص229.

[5] المصدر السابق، ج19، ص229.

[6] البحر الميّت بحر داخليٌّ واقع بين فلسطين والأردن شبيه بمستطيلٍ طوله الأكبر قرابة ثمانين كيلومتراً في اتجاه شمالي جنوبي بموازاة سلسلة جبال فلسطين الشرقية، وعرضه الأقصى قريب من 18 كيلومتراً، وهو من قسمين بينهما شبه جزيرة تسمّى: "اللسان". ومساحة سطحه المائي حوالي 1000 كيلومتر مربع. ثلاثة أرباعه تقريباً شمال اللسان، وقد يصل العمق فيه قرابة 400 متر. والجزء الجنوبي ضحل نسبيّاً بعمق بضعة أمتار. ونتيجة لمحاولات التجفيف التي قام بها اليهود في الجزء الجنوبي فقد فقد أصبح متشكلاً من مجموعة برك يربطها مع القسم الشمالي قناة عريضة. ملوحته عالية جدا وهي متغيرة حسب الفصول وحسب العمق، فقد يحتوي اللتر من مياهه السطحية على 300 غراماً من الأملاح المختلفة والمتشكلة من أكثر من ثلاثين نوعاً. ورفوفه الساحلية أرض قفرٌ صحراويّةٌ لا تصلح للزراعة.

[7] الدرويش، محيي الدين: إعراب القرآن الكريم وبيانه، ط1، ج9، ص 330.

[8] القرطبي، أبو عبد الله، محمد بن أحمد الأنصاري: الجامع لأحكام القرآن، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط3، 1987، ج10،ص40.

[9] جوهري، طنطاوي: الجواهر في تفسير القرآن الكريم، المكتبة الإسلامية، ط4، 1974، ج25، ص81.

[10]المصدر السابق، ج23، ص206.

[11] ابن منظور، جمال الدين محمد بن مكرم: لسان العرب، دار الفكر- بيروت، المجلد الرابع، مادة: سجر.

[12] ابن سيدَه، علي بن إسماعيل: المحكم والمحيط الأعظم في اللغة، تحقيق محمد علي النجار، معهد المخطوطات العربية، ط1،1973،ج 2، ص190.

[13] ابن فارس، أحمد بن فارس بن زكريا: معجم مقاييس اللغة، تحقيق عبد السلام هارون، دار الجيل – بيروت ، مجلد 3، ص134.

[14] المصدر السابق، ج9، ص328.

[15] مكرم، د.عبد العال سالم وزميله د. أحمد عمر مختار: معجم القراءات القرآنية، جامعة الكويت، ط2 1988، ج6، ص255.

[16] http://www.bedouincamp.net/deadsea.html

Encyclopedia Britannica, 15th edition,1994, item: Dead Sea.

[29] http://www.jewishvirtuallibrary.org/jsource/vie/Deadsea.html

http://homeschool-curricula.suite101.com/article.cfm/natural_wonders_of_the_world

[36] Encyclopedia Britannica, from 1994, item: Dead Sea

http://www.economicexpert.com/a/Dead:Sea.htm

[37] http://www.extremescience.com/DeadSea.htm

[49] http://www.awesomestories.com/religion/dead-sea/story-preface

[52] http://www.seaspastore.com/Dead-Sea-Facts_ep_28.html

[54] http://www.10facts.com/article/Traveling/Lake-and-Sea/The-Dead-Sea.html

http://www.destination360.com/middle-east/jordan/dead-sea

[56] http://www.ammonnews.net/article.aspx?articleNO=36162

[58] http://www.britannica.com/EBchecked/topic/154254/Dead-Sea

[62] المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي.

[63] http://www.saching.com/Article/Dead-Sea-facts--How-it-got-the-name-and-is-it-really-dead-/590

[64] Lexicon Universal Encyclopedia, from 1988, item: Dead Sea

[68] http://library.thinkquest.org/28170/31.html

http://www.gsfc.nasa.gov/scienceques2001/20010921.html

وهناك مصادر تعتبره ثاني أملح البحيرات؛ إذ يعتبرون بحيرة أسال Assal في جيبوتي هي الأملح.

[92] The first known war for control of a hydrocarbon deposit was in the Dead Sea area in 312 B.C. between the Seleucid Syrians and the N batean Arabs who lived around the lake.

[93] http://www.aslo.org/lo/toc/vol_22/issue_6/1076.pdf

[98] http://www.deadseasalts.org.uk/index.htm

http://www.alibaba.com/product-free/103372279/Dead_Sea_Pro_100_Natural_Concentrated.html